انطلاق أيام بن قطاف المسرحية الثانية بالنعامة
وفاء للذاكرة ورعاية للمواهب
- 184
دليلة مالك
انطلقت الدورة الثانية من "أيام بن قطاف المسرحية" أوّل أمس بالمسرح الجهوي بالنعامة، على أن تتواصل لخمسة أيام ببرنامج ثريّ، يجمع بين العروض المسرحية والورشات التكوينية واللقاءات الفكرية، في مسعى إلى ترسيخ الممارسة المسرحية، واستحضار الذاكرة الفنية، ودعم الإبداع الشبابي، بما يعزّز مكانة المسرح فضاء للتعبير، والتجديد، وتبادل الخبرات.
تنظَّم هذه التظاهرة تكريما لاسم امحمد بن قطاف، أحد أبرز أعلام المسرح الجزائري، ومؤلّف مسرحي، وممثل. رحل سنة 2014. ليس من خلال تسميتها فحسب، بل أيضًا عبر الروح التي تحملها؛ إذ تسعى إلى إحياء إرثه، وإتاحة الفرصة أمام الفنانين الذين يخطّون اليوم صفحات جديدة من مسيرة المسرح الوطني. ويجمع هذا الموعد فنانين وباحثين وطلبة وشغوفين بالمسرح قدِموا من مناطق مختلفة من الوطن، حول برنامج يجمع بين الإبداع ونقل الخبرات والتفكير والنقاش. فالمسرح، وإن كان يُكتشف فوق الخشبة، فإنّه يتشكّل أيضًا، خلف الكواليس، وفي قاعات التكوين، ومن خلال تبادل التجارب بين المبدعين.
وخلال حفل الافتتاح، أكّد المفتش العام لولاية النعامة ممثلًا للوالي، أهمية مثل هذه المواعيد في تنشيط المشهد الثقافي الوطني، مشيدًا بدورها في تعزيز التقارب بين الفاعلين في القطاع، وخلق فضاءات للتكوين، والتعبير، وتقاسم الخبرات. وبعد تذكيره بدور الثقافة في الحفاظ على الهوية الوطنية ونقل التراث، جدد التأكيد على “دعم السلطات العمومية للمبادرات الثقافية، والمواهب الفنية”.
من جهته، شدّد مدير الثقافة والفنون بالولاية على أهمية هذا اللقاء الذي يراد له أن يكون أكثر من مجرد تظاهرة عابرة تضاف إلى الرزنامة الثقافية، قائلًا: “نطمح لأن يكون اجتماعنا اليوم حول الفن الرابع، ليس مجرّد موعد ثقافي عابر، بل احتفاء بالرسالة النبيلة للمسرح”. وأشار في هذا السياق إلى قدرة هذا الفن على مساءلة الواقع، والتأثير في الوعي، وفتح آفاق جديدة أمام الفكر والإبداع.
ويأتي تكريم محمد بن قطاف في صميم هذه الرؤية؛ إذ أوضح المسؤول أنّ الهدف يتمثّل في “الوفاء لروح الكاتب المسرحي، ومواصلة الطريق الذي رسمه الرواد، مع إفساح المجال أمام المواهب الشابة". ويُنتظر أن تسهم العروض والورشات واللقاءات الفكرية في تعزيز التبادل بين الفنانين، فضلًا عن المساهمة في تجديد الممارسات المسرحية على المستويين المحلي والوطني.
وفي هذا الشأن، ثمّن المتحدّث دعم وزارة الثقافة والفنون ومرافقة والي النعامة، داعيا إلى تضافر الجهود؛ من أجل دعم الإبداع، والتنوع الثقافي. أما إبراهيم جاب الله، مدير المسرح الجهوي بالنعامة ومدير هذه الأيام، فقد أكّد أنّ القيمة الأساسية للتظاهرة تكمن أيضا، في اللقاءات والأفكار التي يمكن أن تولد عنها، قائلا: "هذه الدورة فضاء لتبادل الأفكار والنقاش، وربما لوضع تصوّرات للمستقبل. وأنا أتوقّع أن يكون المستقبل أجمل".
تكريمات تستحضر الماضي
حمل حفل الافتتاح طابعا فنيا مميّزا من خلال وصلات موسيقية على آلة العود قدّمها الفنان بغدادي سلسبيل. كما تابع الحاضرون شريط فيديو من إعداد عبد العزيز لشلح، بمساهمة بن عبد الله سكوري، جمع بين الصور الفوتوغرافية، ومقتطفات من المسرحيات، وتصريحات للراحل امحمد بن قطاف، في استعادة لمسيرة فنان ترك بصمة واضحة في الساحة المسرحية الجزائرية، سواء من خلال أدائه التمثيلي أو كتاباته المسرحية.
وشهد الحفل تكريم عدد من الشخصيات، من بينهم محمد جلاب، أحد الفاعلين الثقافيين بولاية النعامة، الذي أنجز أوّل فيلم هواة في المنطقة في سبعينيات القرن الماضي، إلى جانب المسرحي بلة بومدين، ومحمد يحياوي المدير العام للمسرح الوطني الجزائري. كما جرى تقديم أعضاء لجنة تحكيم المنافسة التي يرأسها الجامعي والناقد محمد بوكراس، بمشاركة المخرج المسرحي عيسى جقاطي، والفنان قادة قبيز.
وتم كذلك تقديم المسؤولين عن الملتقى العلمي والمتدخلين فيه، إلى جانب أعضاء اللجنة المكلفة بمشاهدة العروض واختيار الفرق المسرحية المشاركة. وتضم هذه اللجنة الدكتور بشير بن سالم، والممثل والمؤلف توفيق رابحي، والمخرج إدريس بن حديد محافظ المهرجان الوطني للمونولوج بتندوف. كما تم تقديم مؤطري الورشات؛ الدكتور حمزة جاب الله المشرف على ورشة السينوغرافيا، وعبد الحكيم مداني المشرف على ورشة التربية الصوتية، أمام الجمهور. وعلى مستوى العروض المسرحية، تتنافس خمسة أعمال على جوائز هذه الدورة، من خلال تجارب فنية قادمة من مناطق مختلفة من الوطن.
وقد انطلقت المنافسة بعرض مسرحية “المهراز” لجمعية نجوم الفن حسان الحساني من ولاية سيدي بلعباس، على أن تتواصل إلى 14 أكتوبر الجاري مع مسرحية "المتاهة" لجمعية جوهرة المسرح والفنون من عين تموشنت، ومسرحية “نيرفانا” لتعاونية سارتي فاليري للفنون والشباب من سيدي بلعباس، ومسرحية “محكمة الصفر” للجمعية الثقافية الفن الأصيل بالشراكة مع المسرح الجهوي بالأغواط، إضافة إلى مسرحية “واحد من الجمهور” للجمعية الثقافية حلم الفن من وهران.
ومن المقرر أن يحتضن المسرح الجهوي، اليوم وغدا، أشغال الملتقى العلمي الذي يرأسه الجامعي والمخرج المسرحي لخضر منصوري، والذي سيتناول قضايا الأداء والتمثيل وتكوين الممثل. كما ستُطرح مسألة تعليمية الفن الدرامي في الجزائر ضمن المحاور المطروحة للنقاش، مع التركيز على مناهج التكوين، والظروف التي يُعَدّ فيها فنانو المستقبل.
وكان الجيل الصاعد حاضرًا بدوره في حفل الافتتاح، من خلال تكريم الأطفال المشاركين في ورشات الصيف التابعة لمبادرة بيت الصيف للثقافة والفنون. وهي مبادرة ثقافية وفنية وتربوية أطلقتها وزارة الثقافة والفنون عبر مختلف مناطق الوطن. وقد شمل التكريم كلاًّ من نجاة مير، ونرمان بوعزيز، وغفران دربال، وفرح شعبان، إلى جانب مؤطرهم نور الدين ضيف الله.
* مبعوثة "المساء" إلى النعامة: دليلة مالك