صناعة الكتاب في الجزائر
ورشات تكشف خبايا عالم النشر لرواده الشباب
- 443
مريم. ن
تضمنت أشغال اليوم التكويني لفائدة الناشرين الشباب، المنظّم أول أمس بالمكتبة الوطنية بالحامة من طرف المركز الوطني للكتاب تحت شعار “من الفكرة إلى صناعة الكتاب”، سلسلة من الورشات المتخصّصة حول مراحل إنتاج الكتاب، وتقنيات النشر، وكذا التشريعات المنظِّمة للقطاع، وآليات تسيير دُور النشر، والحقوق والالتزامات، إضافة إلى الكتاب الرقمي والصوتي. كما تم فتح نقاش مباشر بين المؤطرين والمهنيين مع الشباب.
نشط الأستاذ بوداود ماسينيسا، مدير دار تنهينان للنشر (شهادة جامعية دولية في الأدب واللغة الروسية، جامعة كييف للغات – أوكرانيا)، الورشة الأولى التي خُصّصت لـ"سلسلة الكتاب ومراحل إنتاجه". وتميّزت بكونها عملية تستعرض التجارب الميدانية بطريقة بسيطة ومباشرة، جلبت الشباب القادمين من مناطق مختلفة من الوطن.
مراحل والتزامات لا بدّ منها
عن الخطوة الأولى من مراحل الإنتاج أشار المؤطر إلى أنّها تتعلّق باستقبال المخطوط، علما أنّ دور النشر تختلف حسب سياساتها الخاصة بالنشر؛ فبعضها يعتمد النشر المجاني، وأخرى تطلب ثمن المنتوج.
وفي الخطوة الثانية يؤكد السيد بوداود أنها تبدأ بمرحلة القراءة والتقييم من خلال لجنة مختصة. وهنا قال المؤطر: “هذا الجانب من سيرورة الإنتاج يؤرق الكثير من الناشرين، وذلك لدواعٍ مادية، حيث يتطلب استدعاء خبراء مؤهلين ودكاترة للفحص والتقييم، مقابلا ماليا لا تقدر عليه بعض دور النشر، وبالتالي تتم الاستعانة بأشخاص أقل كفاءة؛ ما ينعكس على مستوى الكتاب”، ولذلك قال: “أنصح الناشرين الشباب ألا يقعوا في هذا المطب، ويستعينوا بأيٍّ كان، وعليهم الاهتمام بلجان القراءة ذات مستوى؛ كي لا تكون بعدها متابعات قانونية. والخبرة والكفاءة هما ما يحددان الرفض أو القبول".
وتوقف بوداود عند أهمية المراجعة، والتحرير الأدبي، والتدقيق اللغوي في الجزائر، مؤكّدا أنّ الكاتب عندنا لا يرضى بتدخّل المحرّر الأدبي من أجل إعادة صياغة بعض الجمل، عكس ما هو كائن في البلدان المتقدّمة. أما التدقيق اللغوي فهو غائب، ولا يُسند لأهله من المختصين في اللسانيات وليس في الأدب. أما الأخطاء اللغوية فهي العمود الفقري في النشر. وعن التنسيق الداخلي للكتاب قال المتحدث إنّ منسّق الكتب الأدبية ليس هو منسق الكتب العلمية.
وبالنسبة للغلاف أوضح أن على الناشر أن يقدّم ملخّص الكتاب للمصوّر أو الرسام؛ كي يكون التجسيد صحيحا، بينما يُلاحظ أحيانا أن الكاتب يفرض صورة ما للغلاف. وهنا دعا المتحدّث إلى أن يكون الناشر صارما، ويفرض قراره. أمور أخرى طرحها مؤطّر هذه الورشة، منها استخراج الرقم الدولي، والالتزام بالجانب القانوني خلال الطبع من خلال عقود تضمن الحقوق في حال النزاع، زيادة على أهمية الحذر في التعامل مع المطابع، من عدم صبّ كلّ أموال التكاليف مرة واحدة؛ كي لا يجد الناشر نفسه عاجزا عن تغطية مصاريف مؤسسته، وكي يتجنب صعوبة استرجاع أمواله عند نشوب أي سوء تفاهم مع المطبعة.
ونصح المؤطر الشباب الحاضرين بحسن اختيار المطبعة ذات الجودة والسمعة، مشيرا إلى أنّ المطبعة الصناعية هي التي تطبع النسخ الكثيرة، وهي صالحة لكتب الأطفال مثلا. أما المطبعة الرقمية فهي تطبع القليل. وكذلك الحال مع الورق، فالأصفر للكتب الأدبية، والأبيض للعلمية.
الناشر هو المراقب العام للعملية الإنتاجية
دعا الأستاذ ماسينيسا بوداود إلى أن يكون الناشر فطنا، ومحترفا، يتابع بنفسه جودة الطباعة؛ لتفادي الأخطاء، وعليه أن يكون أول من يستلم النسخ الأولى؛ لمراقبتها، وليس الكاتب؛ تفاديا للمشاكل. كما على الناشر أن يأخذ وقته في طباعة كتبه، ولا يتركها لآخر لحظة؛ كالتسابق مع الوقت لطبع كل الأعمال عشية موعد “سيلا” (صالون الجزائر الدولي للكتاب)، ليضيف: “من يطبع اليوم كتبا تحضيرا للمشاركة في سيلا 2026، أقول له: أنت متأخر جدا”.
وفي ما يتعلق بالتسويق قال: “ ليس لدينا إلى حدّ اليوم وكيل أدبي (مانجمنت)؛ بمعنى أنّ الناشر يقوم بكلّ الأدوار، وهو أمر يتجاوزه. وهذا الوكيل هو من تكون له شبكة علاقات مع الإعلام، ومع التظاهرات الثقافية وغيرها. وللأسف، فإنّ بعض الناشرين يلجؤون للفضاء الأزرق للإعلان عن كتبهم، موضّحا أنّ التسويق ليس هو النشر؛ فهو علم ومهنة قائمة بذاتها. أما التوزيع فتلك معضلة أخرى، فلقد أصبح مربوطا بالمكتبات، وبفوائد وحصص مالية معتبرة، ودون عقود مبرمة. ونصح المتحدّث الشباب الحاضرين بأن تكون لهم علاقة ممتدة مع الكُتّاب، فأحيانا الناشر إذا ما غادره كاتب تعامل معه سابقا إلى دار أخرى، يغضب، ويقاطعه، وهذا ليس من باب المهنية.
مقاييس لاتزال غائبة
خُصصت الورشة الثانية لـ"تسيير وإدارة دار نشر” ، أطرتها السيدة راضية جمعة محافظة للمكتبات والوثائق والمحفوظات، رئيسة مصلحة المنشورات بالمكتبة الوطنية الجزائرية، حاصلة على ماستر في مهن الكتاب والنشر؛ إذ أشارت إلى أنّ عملية النشر تجمع بين إدارة العمل الثقافي والإبداعي، وإدارة الأعمال التجارية والصناعية.
ولكي تنجح دار النشر لا ينبغي لها الاكتفاء بشغف القراءة، بل يتطلّب الأمر رؤية استراتيجية، وتخطيطا صارما. فقبل البدء في استقبال المخطوطات يجب تحديد هوية الدار بدقة، بمعنى هل ستتخصّص في الرواية والآداب، أم الترجمة، أم كتب الأطفال والناشئة، أم الكتب العلمية وغيرها؟ وهذا ما أسمته بالخط التحريري للدار، والذي يبني سمعتها، مع تحديد العناوين الصادرة طيلة الموسم من كل عام، والتركيز على مواسم المعارض.
وتناولت المتحدثة جانب صياغة العقود القانونية الواضحة مع المؤلفين والمترجمين، التي تحدد نسبة الأرباح. وأشارت أيضا للرقم الدولي المعياري للكتاب؛ من خلال استخراج الإيداع القانوني، والترقيم الدولي لكل كتاب من الجهات المسؤولة (المكتبة الوطنية الجزائرية)، لضمان شرعية وتوثيق الإصدار، ثم شراء الحقوق الدولية في حال ترجمة كتب أجنبية بالتواصل مع الناشرين الأصليين، وعقد صفقات شراء حقوق الترجمة والتوزيع. وعن إدارة فريق العمل (المحرر، المصحح اللغوي، المصمم، والرسام)، قالت: "يفضّل الكثير من الناشرين التعامل مع هؤلاء كمستقلين لا كدائمين؛ لتقليل التكاليف الثابتة".
وبالنسبة لتكلفة الإنتاج أضافت أن حساب النسخة الواحدة بدقة يحدد سعر البيع، الذي يمثل حتى أربعة أضعاف تكلفة الإنتاج، علما أن دار النشر تدفع تكاليف الإنتاج والطباعة مسبقا، ولا تجني الأرباح إلا بعد أشهر. أما التعاقد مع شركات التوزيع فيكون -حسب المتحدثة- من خلال توقيع اتفاقيات مع شركات توزيع كبرى؛ لإيصال الكتاب إلى المكتبات، ونقاط البيع.
وفي ما يتعلق بالمعارض الدولية للكتاب، اعتبرتها المؤطرة شريان الحياة المالي للناشر، حيث تبيع الدار مباشرة للقارئ دون وسيط، وتسترد كامل قيمة الكتاب نقدا. كما قالت إن التوزيع الرقمي والصوتي يكون بالتعاقد مع المنصات لنشر النسخ الإلكترونية والصوتية؛ لزيادة مصادر الدخل، وحماية الكتاب من القرصنة. أما التسويق المسبق فأوضحت أنه إثارة فضول القراء عبر وسائل التواصل الاجتماعي بنشر أجزاء من الكتاب، مع تصميم غلاف مبدئي، أو فتح باب الحجز المسبق، زيادة على جلسات البيع بالتوقيع، والندوات.
وتناولت المؤطرة أيضا جانبا مهمّا في النشر، وهو إعداد القوائم والكتالوجات، معتبرة إياه العصب الحركي والتنظيمي لدار النشر، دونهما تصبح مستودعات الدار مجرد تكدس للكتب، وتفقد وسيلتها الأساسية للتعامل مع المكتبات والموزعين والقراء، مؤكدة: “في صناعة النشر الحديثة، ينقسم هذا العمل إلى الكتالوج التجاري والتسويقي (الموجه للجمهور والمكتبات)، والإعداد الفني الببليوغرافي (الموجه لنظم المعلومات والمكتبات الوطنية)”.