رمضان في الأوراس

هنا تمارَس الطقوس وتتجذر التقاليد

هنا تمارَس الطقوس وتتجذر التقاليد
  • 150
عبد السلام بزاعي عبد السلام بزاعي

  تجتمع العائلات الأوراسية على دعوة الأهل والأقارب لتقاسم مائدة الإفطار مع صغيرها الصائم لأول مرة. وتحافظ هذه العائلات على تقاليد قديمة، تحرص على توريثها للأجيال، ومنها أن ‘’يكسر’’ الطفل الصائم لأول مرة، صيامه بتناول كأس حليب وحبات تمر. وتنفرد بعض العائلات التي لاتزال متمسكة بتحضير’’الرفيس"، و«الزيراوي" ، و«خبز الدار" الذي يلازم صحن "شوربة الفريك. 

لايزال سكان الأوراس يحافظون على بعض العادات والطقوس التي تميز الشهر الفضيل، وهم القلة من سكان القرى والمناطق النائية التي لاتزال متشبّثة ببعض العادات والتقاليد الضاربة في التاريخ رغم تأثير الحداثة على سلوك الأفراد والأسر، والتي جعلت الكثير من العادات آيلة للزوال. وتُعد الزيارات في السهرات الرمضانية بعد أداء صلاة التراويح والاجتماع على المأكولات التقليدية من زلابية ومقروط، من التقاليد الراسخة، إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي قلصت من أهمية هذه الزيارات بفعل العصرنة والتقدم التكنولوجي، إذ وجدت العائلات في وسائل التواصل متنفسا آخر غير مكلف للاتصال بالأهل.

 تهيئة المساجد لاحتضان  صلاة التراويح

والمؤكد أن ما ظل راسخاً ولم تنل منه تغييرات العصرنة هو بيوت الله، التي لاتزال تعج بالمصلين، الذين يؤدون صلاة التراويح عبر كل البلديات والدوائر. وقِبلة المصلين مسجد أول نوفمبر بباتنة، الذي يتسع لـ 10 آلاف مصلّ. هذا الصرح الإسلامي الذي أسهم في إنجازه المرحوم المجاهد العقيد الحاج لخضر، الذي حوّل المكان الذي أُنجز فيه، من مطار عسكري استعمله الاستعمار لقنبلة الشعب الجزائري من خلال ما يُعرف بـ"الطائرة الصفراء" التي كانت وقتها تقصف المدنيين والعزّل؛ إلى قِبلة للتعبد؛ حيث يعرف كثافة منقطعة النظير للمصلين، الذين دأبوا على أداء التراويح به، علما أنه تم في إطار التحضيرات لاستقبال الشهر الفضيل، حسبما صرح مدير الشؤون الدينية والأوقاف لولاية باتنة، بوزيدي صلاح الدين، تسطير برنامج خاص بشهر رمضان المبارك، شمل 10 مساجد جديدة لاحتضان صلاة التراويح، واستقبال المصلين في أحسن الظروف، مع تنظيم مسابقات في حفظ القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وندوات علمية، فضلا عن توزيع 15 ألف قفة رمضان، وتوزيع أموال صندوق الزكاة على زهاء 4700 عائلة معوزة، وفتح 23 مطعم رحمة.

عادات تأبى الزوال

ومن العادات الراسخة أيضا بالمنطقة، تهيئة الأطفال لصوم رمضان، والتعود عليه، إذ يتم خلال أول يوم من صيام الأطفال الذي يكون، حسبما جرت عليه العادة، ليلة النصف من رمضان، أو ليلة السابع والعشرين منه، مع إعداد مشروب خاص يتم تحضيره في المنزل يطلَق عليه اسم "الشاربات" . 

ولا تختلف طرق الاحتفال بصيام الطفل لأول مرة في منطقة أخرى فحسب، بل من عائلة إلى أخرى أيضا، إذ هناك بعض العائلات التي تشجع صغارها على الصوم ولو لنصف يوم دون إرغامهم على صيام اليوم كله، كخطوة أولى لاكتشاف ماهية الصيام، والتعوّد عليه. وهناك من العائلات من تحرص على تصويم صغيرها يوماً واحداً، ثم تفطره اليوم الثاني، ليتمكّن من صيام اليوم الموالي، وهكذا يتعوّد الطفل من تلقاء نفسه، على تحمّل الإمساك عن الطعام والشراب تدريجيا. وتقول في السياق السيدة اليامنة البالغة من العمر 76 سنة: "ثمة طقوس لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تزول في وجود بذرة خصبة من الشباب المسلم المحافظ، وما تقوم به الأسر في تربية الأولاد وفق ما تقتضية الشريعة الإسلامية، وتحفيز الأطفال على الصيام، واعتياده".

سوق الرحبة.. توابل بنكهة رمضان

وتُعد "الرحبة" بالسوق المركزي لمدينة باتنة، محطة لربات البيوت لاقتناء مادة "الفريك" لإعداد الشوربة، التي لا تبارح المنازل إلا مع قدوم عيد الفطر المبارك؛ إذ أضحت "الرحبة" فضاء مؤنثا، تقصده النساء لاقتناء أنواع التوابل لتحضير شوربة رمضان بالفريك. ولايزال هذا السوق محافظا على تقاليده؛ إذ ينتشر على طول امتداده باعة "النوقة" ، وباعة "البيتزة" التي تعرف رواجاً كبيراً ساعات قليلة قبل الإفطار، حيث استعاد نشاطه بعدما عرف أشغال ترميم بادرت بها بلدية باتنة، ليعود واجهة لترسم طقوسا خاصة، تعود في هذا الموعد من كل عام.