متابعون ومختصون يتحدثون عن الفيلم القصير في الجزائر

هل يمارس المخرجون الشباب السينما الصحيحة؟

هل يمارس المخرجون الشباب السينما الصحيحة؟
  • 1015
دليلة مالك دليلة مالك

يعد الفيلم القصير في الجزائر، أول خطوة يمكن للمخرجين الشباب أن يستهلوا بها مسيرتهم في السينما، باتجاه الاحتراف، لكن هذه القاعدة يشوبها التحفظ، على حسب بعض المتابعين والمختصين، ويؤكدون أن هناك عوامل أخرى من شأنها أن ترفع من المستوى، لها علاقة بالتكوين والنقد والإبداع، والتحكم في الجوانب التقنية ومعرفة تطوراتها، والأكثر من ذلك، التمتع بشخصية مثقفة بروح متواضعة. علاوة على وجود مساحات لاحتضان المواهب، ويتعلق الأمر أساسا، باستحداث مهرجانات للفيلم القصير. يقول الناقد الصحفي فيصل مطاوي، إن الكثير يعتقد أن الفيلم القصير هي البداية بالنسبة لأي هاوٍ للسينما، فالانتقال إلى الفيلم الروائي الطويل أو الوثائقي الطويل صعب جدا، خاصة للذي يريد أن يصبح مخرجا أو كاتب سيناريو أن يتحكم في تقنيات وفنيات الإخراج، والبناء الدرامي.

المخرجون الشباب يملكون التقنية لكن ليس الفكرة

أردف المتحدث، بناء على تجربته في لجان تحكيم أيام سينمائية رئيسا وعضوا، وبحكم معاينته للعديد من الأفلام القصيرة سابقا وحديثا، أن له مجموعة من الملاحظات بخصوص السينما التي يمارسها الشباب الهاوي، في صنف الفيلم القصير، فهناك من يخرج فيديو كليب باستعمال الموسيقى دون تفسير أو حجب الحوار وتعويضه بالموسيقى، وفي حال وجود حوار، فهي في الغالب ليست مدروسة، عبارة عن مجموعة من الجمل المتراصة دون معنى، وهناك من يقدم كل شيء باسم الواقعية، رغم أن السينما لا تلزم بذلك، ويستحسن تقديم بعض من الخيال والإبداع.

واسترسل مطاوي، هناك بعض الأفكار الجميلة التي تحمل بعض الأسئلة الفلسفية عن الإنسان وعلاقته بالمجتمع، وحول العلاقات الاجتماعية، عن الأحلام والآلام، لا يستطيع الجميع أن يطوعها لقصة فيلم قصير، رغم أن السيناريو المكتوب متكامل ومتناسق له بعده وفلسفته، وهنا يظهر ضعف الإخراج في ترجمة الحكاية المكتوبة إلى صور محكية. والضعف أيضا واضح في التركيب واختيار الممثلين، الذي يتم في إطار محيط المخرج، ولا يبحث عن الممثل الذي يلائم الدور المنوط به، وفقا للسيناريو. يذهب المتحدث بعيدا، ليعرج على فكرة تأثر هؤلاء المخرجين الشباب بتجارب السابقين، لاسيما بالسينما الأجنبية، فأعمالهم نسخ لصق عن مسلسلات وأفلام هوليوود، ويستنسخون من أفلام أوروبية أو آسيوية كذلك. وقال "شاهدنا بعض الأفلام القصيرة التي تنتمي لسينما الرعب، لكنها غير موفقة تماما".

عرج فيصل مطاوي لفكرة النظرة الاستعلائية، التي يتبناها بعض الشباب في نسج أفلامهم القصيرة، كأنه وصي يعطي الدروس، وكذلك انخراط هؤلاء المخرجين ضمن تقديم صور سوداوية قاتمة عن المجتمع، وهي موجودة بشكل "طاغ ومقزز"، مستفسرا عن سبب عدم الذهاب إلى مواضيع أخرى، على غرار التاريخ، أو التي لم تتطرق إليها السينما الجزائرية، ليؤكد أن هؤلاء المخرجين الشباب يفتقدون للشجاعة في الطرح، ويبقون يحكون القصص نفسها، بعناوين براقة واستعمال تقنيات تصوير جديدة، لكن ماذا عن المحتوى؟ وأغلب الأفلام القصيرة المعروضة تفتقد للفكرة، هي مجموعة من الصور المركبة بحوارات مهلهلة.

الدعم المالي ليس سببا في تدني المستوى

حسب الناقد الصحفي فيصل مطاوي "صحيح أن الشباب يجدون مشكلا كبيرا في الحصول على الدعم المالي، والقطاع الاقتصادي الخاص في الجزائر لا يهتم تماما بالسينما، فما بالك بالأفلام القصيرة؟ لأنها تجاريا لا تدر أموالا، والقنوات التلفزيونية في الجزائر لا تلعب دورها في تمويل السينما، رغم أن كل تلفزيونات العالم تفعل ذلك، وتخصص هذه القنوات، سواء خاصة أو تابعة للدولة، ميزانيات للسينما. من جهة ثانية، يساهم صندوق "الفداتيك" في الجزائر في تمويل بعض المشاريع الجادة، لكنه غير كاف. وفي الأخير، الجانب المادي ليس سببا في تدني مستوى الأفلام القصيرة، من يحب هذه المهنة لابد له من تضحيات، وقبل ذلك، هناك أزمة إبداع أسوء حالا من أزمة التمويل". في هذا الشأن، أفاد فيصل مطاوي أن أزمة الإبداع في السينما الجزائرية برمتها، موجود أيضا في الأفلام القصيرة، يقول "أصبحنا في الكثير من الحالات نشاهد تقريبا الأفكار نفسها، ومع الممثلين أنفسهم، وبأدوار متشابهة، فهل هناك من يبحث عن الجديد حقا؟".

إلحاح على تأسيس مدرسة للسينما

في هذا الخصوص، أكد مطاوي وجود مشكل في التكوين، "طالبنا منذ سنوات بضرورة إنشاء مدرسة وطنية للسينما، يكون مقرها في الجنوب، وهذا اقتراح شخصي، في أدرار أو بسكرة أو تمنراست أو بشار أو أي مدينة، تكوّن المنتجين، لأن هناك أزمة إنتاج، كل من هب ودب يصبح منتجا، وتكوّن المخرجين، وكتاب السيناريو، والمركبين، والسكريبت، بمعنى كل المهن المتعلقة بالسينما الفنية والتقنية، وهناك من يحتاج إلى إعادة التكوين، خاصة بعض المخرجين الذين يتكلمون في مواقع التواصل الاجتماعي وفي بلاطوهات التلفزيون، على أساس أنهم أرباب السينما في الجزائر، لكنهم هم أول من يجب أن يعيدوا الدراسة في هذا المجال". إلى جانب التكوين، من الضروري إعادة النظر في طريقة التمويل، وخلق فضاء لمناقشة هذه السينما، مثل تأسيس مهرجان وطني للفيلم القصير أو إفريقي، يقول مطاوي نحن بحاجة لأن نمتد للبعد الإفريقي، وتشجيع نوادي السينما، الذي يسمح للمخرجين الشباب أن يتكون من خلال النقد الذي يقابله في هذا الفضاء، ونجدد الطلب لفتح قاعات السينما، خاصة في الجزائر العاصمة، فالعديد منها موصدة دون أي تفسير أو سبب مقنع".

الوصول إلى العالمية عن طريق الاعتزاز بثقافتنا، وليس بكره الذات، وللوصول إلى العالمية، حسب المتحدث، يجب أن يكون الخطاب الذي يحمله المخرجون الشباب نابعا من ثقافته المحلية وأفكاره الجزائرية، وتقاليده الاجتماعية وأبعاده الحضارية، والبيئة التي يعيش فيها، ولا تخاطب الآخر بشتم مجتمعك، باسم العصرنة، أو حرية التعبير، هذين الأمرين ينطلق من الاعتزاز بثقافتك، وليس بكره الذات. أمر آخر يتعلق بالبحث عن الجديد وأن نبدع فيه، ومن شأنه أن يصنع الحدث ويخلق النقاش، وأن يتمتع المخرجون الشباب ليس فقط بالثقافة السينمائية، إنما بكل أشكال الثقافة والفنون.

المهرجانات مكسب لاكتشاف مخرجين موهوبين

من جانبها، أكدت المخرجة السينمائية ياسمين شويخ، أن الفيلم القصير في الجزائر، يجب أن يحظى بمهرجان يهتم بهذا الصنف السينمائي، نقلا عن تجربتها السابقة في مهرجان تاغيت للفيلم القصير، حيث كانت المديرة، مشيرة إلى أن كل فضاء يخص السينما، بما في ذلك الفيلم القصير، مكسب هام. قبل ذلك، أشارت مخرجة فيلم "إلى آخر الزمن" إلى وجود من يعتبر الفيلم القصير تمرينا لولوج الإخراج للأفلام الروائية الطويلة، وهذا غير صحيح، إذ أكدت أن الفيلم القصير هو نمط سينمائي قائم بذاته، وهو ليس فقط محط اهتمام الشباب، فكل مخرج محترف يمكن أن يخرج في هذا الصنف بداعي الرغبة.

ليس هناك خطة استشرافية للاستمرارية

قالت شويخ؛ إن مثل المهرجانات أو المنصات التي تعرض الأفلام القصيرة، سمحت باكتشاف أسماء واعدة للسينما الجزائرية، والأكثر من ذلك، هي فرصة لتقييم السينما الجزائرية في الوقت الراهن، من خلال دعامة الفيلم القصير، الذي يبقى في الأخير من السينما. أردفت "من الضروري وجود مهرجانات ومنصات للفيلم القصير لتشجيع إنتاجه والإنتاج السينمائي عموما، لكن للأسف، ليس هناك تفكير استشرافي ولا خطة لاستمرارها".

وعن تجربة مهرجان تاغيت للفيلم القصير، أكدت المخرجة صاحبة الفيلمين القصيرين "الباب" و"الجن" أنها ناجحة، لأنها تعرفت بالعديد من المخرجين الشباب، الذين هم اليوم مخرجون محترفون، قدموا أعمالا سينمائية روائية طويلة. كما كان مهرجان تاغيت فرصة للترويج السياحي في الجزائر، وهذا من بين أهداف مثل هذه المهرجانات، من خلال رؤية الجزائر عن كثب، في صورة المجتمع والثقافة والجغرافيا. جددت المتحدثة تأسفها عن غياب إستراتجية للمدى البعيد، تهتم بالمهرجان، رغم مطالب الشباب الهاوي المتكررة والجمهور أيضا المحب لهذا اللون السينمائي، رغم أن كل الإمكانيات متاحة لإقامة مهرجانات عديدة، وطنية ودولية، من شأنها أن تكون بمثابة محفل دولي ذي سمعة وصدى عالميين.