“دور المخطوط في الحفاظ على الذاكرة التاريخية.. دراسة وتحليلات”
نحو إدماج المخطوطات في مسار البحث والتحقيق الأكاديمي التاريخي
- 273
مريم. ن
نظّم مركز الفنون والثقافة بقصر "رياس البحر"، أوّل أمس، يوما دراسيا بعنوان "دور المخطوط في الحفاظ على الذاكرة التاريخية، دراسة وتحليلات"، في إطار المحافظة على التراث الوثائقي الوطني، وتثمين الذاكرة التاريخية، واستعراض أهمية المخطوطات كمرجع يستوجب التثمين والتحقيق، وإدماجها ضمن مسارات البحث الأكاديمي لصيانة تاريخ الجزائر. شارك في هذا اليوم الدراسي نخبة من الأساتذة والباحثين والمختصين في مجالات التاريخ والتراث، وعلم المخطوط، من خلال مداخلات علمية تبرز القيمة التاريخية والعلمية للمخطوطات، وآليات حفظها وتحقيقها، ودورها في نقل المعرفة، وصيانة الإرث الحضاري.
لامية وقائع حرب التحرير
تناول الشيخ يحيى صاري (إمام خطيب مسجد الأرقم وعضو بجمعية العلماء) في محاضرته، "قراءة في لامية الوقائع المختصرة المحرّرة في تاريخ الثورة الجزائرية للشيخ ابن بشير الرابحي الحسيني الجزائري”. وترجع أهمية هذه الوثيقة إلى كونها تؤرّخ لمناح عدّة من تاريخ ثورتنا التحريرية، وهي تزيد على خمسة آلاف بيت، علما أنّه حصل عليها سنة 1989 عندما اشترى مكتبة هذا العالِم من عائلته. ومن جملة هذه الوثائق والنوادر والدرر هذه اللامية. وهي مخطوط بخط المؤلف. ولها أهمية كبرى لمن يعرف قيمة المخطوط، وثانيا لكونها من نظم عالِم من أكابر علماء الجزائر.
وأشار المتحدّث إلى أنّ الغالب الذي ينطبع في الذهن أنّ الذين يكتبون عن الثورة والأشعار والقصائد، أغلبهم من الأدباء والشعراء. ولكن مثل هذا العالم كما كان عالما وفقيها ومفتيا ومشاركا في علوم المعقول والمنقول، كان، أيضا، أديبا وشاعرا. وله قصائد في شتى الفنون والعلوم، بعضها في الآلاف من الأبيات. كما تدلّ قصائده على تبحّره في العلوم الشرعية واللغوية والنحوية، لأنّه ليس من السهولة أن ينظّم الإنسان نظما في النحو أو في أصول الفقه أو نحو ذلك من العلوم، لأنّه يحتاج إلى دقّة، وإلى معرفة عميقة باللغة العربية، وكيف يضع هذه المصطلحات في مواضعها وسياقاتها ضمن هذه الأشعار والقصائد. كما إنّ أهمية هذه القصائد تكمن في أنّها كانت تنظَّم في زمن الوقائع الثورية، وبالتالي كانت بمثابة تأريخ للأحداث.
من جهتها، قدّمت الدكتورة مليكة حميدي من جامعة البليدة، مداخلة عن "المخطوطات العلمية، ودورها في الحفاظ على الهوية الوطنية خلال القرنين الـ13 و15م، ابن القنفذ القسنطيني نموذجا"، معتبرة هذا العالم "موسوعة"، استطاع أن يكون منهجا في كتاباته. كما كان عالما من علماء الفلك المشهورين. وشرح أرجوزة الأحكام النجومية لابن علي الرجال القيرواني. وهي أرجوزة هامة تتناول الكواكب، وحركتها، ومكانتها وأزمنتها. ويستدل فيها بالتشكيلات الفلكية من أوضاع الكواكب مع المقابلة والمقارنة وغيرها على أحوال الجوّ، والمعادن، والنبات والحيوان. وألّف أرجوزة في تقويم الكواكب السيارة، تتألّف من 211 بيت.
واهتمّ ابن قنفذ بدراسة علم تقويم الكواكب. وهو العلم الذي يُعرف به كيفية تفاوت الليل والنهار، وتداخل الساعات فيهما في الصيف والشتاء. ورأى أنّ رسالة ابن البناء بعنوان “السيارة في تعديل الكواكب” هي الرسالة المرجعية في هذا العلم. وقد تناولها بالتعليق والشرح في رسالة بعنوان “تسهيل المطالب في تعديل الكواكب” .
كما تحدّثت الدكتورة سعيدة لوزري عن “مخطوطات علماء بجاية الحمادية بمكتبة السليمانية بتركيا” ، مؤكّدة أنّ آثار علماء بجاية تكاد تكون نادرة. وذكرت بعضا من علماء بجاية، الذين تأثّر بهم العالم الإسلامي، وعمل بمؤلفاتهم في تخصّصات شتى، علما أنّ بعضهم انتقل إلى المشرق وإلى دول أخرى. وكان منهم ابن قرقول الحمري الوهراني، وعبد الجليل الديباجي، وأبومدين، وغيرهم. وكتبهم موجودة في هذه المكتبة الضخمة والعتيقة، علما أنّ محمد بن عبد الكريم كان أوّل باحث جزائري يقوم بالبحث في هذا الموضوع سنة 1972، وتحصّل على 200 مخطوط.
النصوص الأدبية مخطوطات تسجّل المسكوت عنه
أما الباحثة الدكتورة سليمة كواسي من جامعة يورك بتورونتو بكندا، فتناولت بعض النصوص التي تحمل إيقاعا يشبه قواعد النوبة الأندلسية، منها المؤلّفات الأدبية، والمذكرات، معتبرة إياها مراجع ومخطوطات توثّق لفترات فلتت من التأريخ. ومثّلت المسكوت عنه مستعينة بكتابات آسيا جبار، ومليكة مقدّم، والمجاهدة لويزة أحريز. وكلّهن كتبن عن المرأة المقاومة، مستعرضة أيضا حضور التراث والثقافة الشعبية في هذه الأعمال، مستعينة في دراستها بـ "التحليل الإيقاعي"؛ بمعنى إدخال الرياضيات (جداول ومخططات وغيرها) في تحليل النص، خاصة في اتجاه تطور أحداثه تماما كتطوّر اللحن. وانطلقت بعدها الجلسة الثانية من الفعالية مع الباحث أحمد قريق احسن، الذي قدّم “مصادر مخطوطة جديدة لتاريخ مدينة الجزائر- دراسة نماذج”، مستحضرا بعض المخطوطات لابن حوقل سنة 367 هـ، الذي تحدّث فيها عن أسواق وعيون الجزائر.
أما كتب عبد الرحمان الثعالبي "إيقاظ الهمم في تاريخ الأمم" و"الفهرسة الكبرى"، ففيها جوانب من تاريخ الجزائر لاتزال مفقودة. لكن المحاضر قدّم بالمقابل، مخطوطات ونماذج لبعض المصادر، منها “صفحات من تاريخ الجزائر" لنور الدين عبد القادر، و«المرآة لحمدان خوجة"، و"تاريخ المدن الثلاث" لعبد الرحمن الجيلالي. ومن المصادر أيضا اللوحات المرسومة تصوّر ثكنات الانكشاريين، والمدافع، والبيوت والساحات في العهد العثماني، مكتوبة بالتركية. وهي وثائق مهمة في تاريخ الجزائر، وكذا الوثائق المتناثرة في المتاحف والأرشيفات بالخارج. وتحدّث، أيضا، عن الشعر كمصدر هام يؤرّخ للأحداث؛ من ذلك قصيدة هجوم الأسطول الدنماركي على مدينة الجزائر في 1770 للشاعر ولد اعمر، وقصائد وصف الجزائر للشيخين العلمي وعبد القادر خلال دخول فرنسا الجزائر.
ثم قصيدة عدّة بلبشير خلال الحرب العالمية الأولى، تقرأ في المجالس، وتهجو فرنسا. كما سرد المتحدّث أسماء تُعد مصادر في حدّ ذاتها، منها سيدي أحمد الراشدي الملياني، وكذا مؤلّفات فارس لعوان ومحمد الشريف الزهار. وقد أشار أيضا إلى أنّ مخطوطات تُكتب في هوامشها الأحداث التي عاصرتها، وأحيانا تكون من الكاتب نفسه، أو اجتهادا من النساخ. واختتمت اللقاء الدكتورة أمينة صاري من خلال عرض تحقيقها الثاني لمخطوط “نظم الدر والعقيان للحافظ التنسي 1493م”. وهو موضوع رسالتها للدكتوراه. واستمرت فيه عشر سنوات. وهو يؤرّخ لواحد من أكابر علماء الجزائر.
ويُعد كتاب "نظم الدر والعقيان" موسوعة تاريخية وأدبية كبيرة، تُظهر إطلاع صاحبها على التاريخ، وعلى النصوص الأدبية، ودواوين الشعراء، ومختلف السير والآثار المتقدّمة. وقد ألّف "نظم الدر والعقيان" للسلطان أبي عبد الله المتوكل الزياني بتلمسان، حيث قرّر أن يجمع له تصنيفا يكون ملوكيا أدبيا. كما أشارت الدكتورة صاري إلى أنّ هذا النص كان مرفقا بقصيدة محفوظة في مكتبة القرويين.