تألق الحرفيين يعكس عراقة التراث الوطني
"نبض الأصالة" يروي تفاصيل الذاكرة الجزائرية
- 204
آية توازي
يحتضن المركز الثقافي "مصطفى كاتب"، فعاليات معرض الصناعات والحرف التقليدية، الموسوم بشعار "نبض الأصالة"، جامعا تحت سقف واحد، 30 حرفيا سخروا عبقريتهم الفنية لتحويل المعرض إلى فضاء تنبض فيه الهوية، وتتوالى فيه الحكايات المنسوجة بالصنعة المتوارثة عبر الأجيال.
يشهد المعرض لوحةً فنية متكاملة، تحتفي بالتراث الجزائري الأصيل، حيث تتربع كتب الطبخ الجزائرية العريقة، وتحديدا مؤلَفات فاطمة الزهراء بوعياد "الطبخ الجزائري"، لتشكل مرجعًا يحفظ أسرار المطبخ الوطني وتنوعه، ويحفظ الذاكرة الغذائية للوطن ثقافيًا، موثِقةً تلك الأطباق التي رافقت العائلات في أفراحهم ومناسباتهم، كوثيقة حية للذاكرة الغذائية للوطن. ولا يكتمل المشهد دون الولوج إلى عالم الحرف اليدوية، حيث تبرز الأواني الفخارية والأدوات الخشبية المنحوتة بدقة فائقة، من قصاع وأطباق وألواح تقطيع، لتجسد ارتباط الإنسان الجزائري العميق بأرضه ومواردها، مؤكدةً مهارة الصنع المحلي في تحويل الخشب والطين إلى تحف فنية تنبض بالروح.
على مقربة من ذلك، نجد بريق الحلي الفضية والمجوهرات التقليدية المصاغة بعناية، والمستوحاة من العمق الأمازيغي والشاوي والنايلي والعربي العريق، حيث تتألق الفضة في تناغم مذهل، يعكس ذوق المرأة الجزائرية وعنايتها بتفاصيل زينتها. وهذا ما أوضحته حرفية متخصصة في صناعة الحلي والنقش على الحجر لـ"المساء"، إذ أفادت بأنها فضلت هذا المجال، انطلاقًا من حبها للأناقة ورغبتها في أن تكون المرأة الجزائرية في قمة تألقها كامرأة عريقة وأنيقة، وأشارت إلى أن العملية لا تخلو من المزج الذكي بين الطابع التقليدي والعصري، لزيادة جاذبية المنتجات وتلبية أذواق مختلف الشرائح والزوار الأجانب، مؤكدة أنها لا تجد عراقيل في عرض منتوجاتها وتسويقها، بفضل الدعم والتسهيلات المستمرة، التي تقدمها الغرف والمؤسسات المعنية، لتشجيع الحرفيين ورفع مستوى جودة منتجاتهم.
إلى جانب الحلي والفخار، نجد طراز الملابس التقليدية، الذي يجسد أصالة التراث الجزائري وفنون الخياطة والتطريز العريقة، حيث تبرز الأزياء بتفاصيلها المزخرفة وأنماطها، التي تعكس الهوية الثقافية الغنية وتنوع الموروث الشعبي. وهذا ما أكدته إحدى الحرفيات لـ"المساء"، إذ أوضحت أنها تعتمد بشكل كلي على أنماط التصاميم التقليدية المتوارثة عن الأمهات والجدات، دون إدخال أي طراز عصري في عملها. وبينما تتراوح مدة إنجاز القطع من يوم إلى يومين أو ثلاثة أيام، حسب طبيعة العمل، فإنها تركز أيضًا على استخدام خامات وأقمشة رفيعة جدًا، وذات جودة عالية، لضمان تقديم منتج راقٍ، كما أشارت إلى أنها لا تعتمد على أي طراز عصري، مع ملاحظة غياب الإقبال الكافي من الجيل الجديد، الذي لا يولي الأهمية الكافية لهذه الحرفة.
ولا تكتمل رحلة الحواس في هذا المعرض، دون التوقف عند ركن المواد الطبيعية والعطور التقليدية، مثل ماء الورد، وماء الزهر (المزهر)، بالإضافة إلى الزيوت الطبيعية، التي تُستخرج عبر عمليات تقطير بطيئة يشرف عليها الحرفيون، للحفاظ على الخواص العلاجية والجمالية، لتكون بديلاً صحيًا خاليًا من المواد الكيميائية الضارة، معيدة إحياء موروث تقطير الزهور، الذي رافق البيوت الجزائرية.
جاء هذا المعرض، تلبيةً لتطلعات الحرفيين ورغبة الجمهور الواسع، وهذا ما أكدته راضية شكيرات، إطار بفرع تنظيم المعارض لمؤسسة "فنون وثقافة" لولاية الجزائر، لـ"المساء"، بقولها إن هذا الحدث يهدف إلى تلبية رغبات الحرفيين والجمهور الواسع من مختلف الفئات العمرية، سواء من الجزائريين أو السياح الأجانب الشغوفين بالصناعات اليدوية. وبينما يتم التركيز على الحرف التقليدية البحتة، للحفاظ على الموروث الثقافي، وإبراز عراقة الفن الجزائري، فإن المعرض يحرص أيضًا، على دمج لمسات عصرية تلبي تطلعات الزوار وتضمن جودة عالية في مجالات متعددة، مثل صناعة الحلي والنقش على الحجر، وسط إقبال جماهيري متميز، وتفاعل كبير مع مختلف الإبداعات المعروضة.