عرض الافتتاح "الوقت"
موسى نون يحوّل الزمن إلى لغة بصرية
- 124
د. م
على إيقاع الموسيقى وتمازج الأضواء والحركات التعبيرية، انطلقت فعاليات الطبعة الثانية من مهرجان تيميمون الدولي للفيلم القصير بعرض فني استثنائي حمل عنوان "الوقت"، أبدعه المخرج والسينوغرافي موسى نون، مقدّما للجمهور تجربة بصرية وفكرية تتجاوز حدود الفرجة التقليدية، وتفتح آفاقا للتأمّل في علاقة الإنسان بالزمن والذاكرة والفن والسينما.
وتحت سماء تيميمون، تحوّلت فضاءات العرض إلى لوحة فنية متكاملة، تداخلت فيها الموسيقى والرقص والإضاءة والسينوغرافيا في مشاهد حملت روح المنطقة وخصوصيتها الثقافية والجمالية. ولم يكن المكان مجرّد إطار لاحتضان العرض، بل بدا عنصرا حاضرا في تشكيل هويته البصرية، من خلال توظيف تفاصيل مستلهمة من البيئة المحلية، بما جعل الواحة الحمراء جزءا من الحكاية الفنية ومكوّنا أساسيا في بنائها.
واختار موسى نون أن يجعل من الزمن محور تجربته الإبداعية الجديدة، مستكملا بذلك المسار الفني الذي بدأه في الدورة السابقة من خلال عرض "أحاسيس"، لينتقل هذه المرة إلى مساحة أكثر عمقا في مساءلة العلاقة بين الوقت والمشاعر الإنسانية. وطرح العمل إشكالية فلسفية تتمحور حول طبيعة العلاقة بين الزمن والإحساس: هل تتحكّم اللحظات الزمنية في تشكيل مشاعرنا، أم أن ما نعيشه من أحاسيس وتجارب هو الذي يمنح الوقت معناه وأبعاده؟.
ومن خلال لغة جسدية وبصرية متداخلة، حاول العرض استكشاف التحوّلات التي طرأت على إدراك الإنسان للزمن، من مجرّد ملاحظة تعاقب اللحظات والأيام إلى القدرة على صناعة اللحظة ومنحها قيمة خاصة. فالوقت، وفق الرؤية التي يقدمها العمل، لا يختزل في عقارب الساعة أو عدد الدقائق والساعات، وإنما يتشكل أيضا من التجربة الإنسانية وما تختزنه من مشاعر وذكريات، إذ قد تمر لحظة قصيرة محملة بإحساس عميق فتبدو طويلة في الوجدان، بينما تنقضي سنوات كاملة وكأنها ومضة عابرة.
في هذا السياق، تحضر تيميمون باعتبارها فضاء غنيا بالصور والدلالات، حيث تلتقي طبيعتها الصحراوية وواحاتها وقصورها العتيقة بذاكرتها الثقافية والتاريخية، لتشكل مادة بصرية وإنسانية قادرة على إلهام المبدعين وصناع الأفلام. وهي بذلك لا تكتفي باحتضان المهرجان، بل تقدم نفسها كعنصر فاعل في التجربة السينمائية، بما تختزنه من مشاهد وتفاصيل وحكايات تستحق أن تنقل إلى الشاشة.
وفي حديثه عن الخلفية الفكرية التي انطلق منها العمل، اختصر موسى نون رؤيته في اعتبار الزمن جوهر الحياة الإنسانية، والسينما إحدى أقدر الوسائل على التعبير عنه، قائلا: "الزمن هو حياتنا ذاتها، والسينما هي الوسيلة الأسمى للتعبير عن هذه الحياة. إنها تمنحنا القدرة الإعجازية على السفر عبر الزمن؛ نتنقل من خلالها بين الماضي والحاضر والمستقبل بلا قيود. فالسينما قادرة على اختزال حياة كاملة في دقيقة واحدة، تماما كما يمكنها أن تجعل من دقيقة واحدة عملا سينمائيا طويلا يمتد أثره للأبد".
وبهذا الطرح، شكل "الوقت" أكثر من مجرد عرض افتتاحي لمهرجان سينمائي، إذ قدم تجربة جمعت بين التعبير المسرحي والتشكيل البصري والتأمل الفلسفي، وجعلت من الموسيقى والحركة والضوء أدوات لاستكشاف واحدة من أكثر القضايا ارتباطا بالوجود الإنساني. كما نجح العمل في استحضار خصوصية تيميمون وإدماجها في نسيجه الجمالي، ليؤكد أن العلاقة بين المكان والسينما يمكن أن تنتج عوالم إبداعية تتجاوز حدود الصورة المباشرة.
على السجاد الأحمر..
تحوّلت السهرة الافتتاحية للدورة الثانية من مهرجان تيميمون الدولي للفيلم القصير إلى موعد احتفالي جمع وجوهًا سينمائية وفنية من الجزائر وخارجها، حيث استقبلت المدينة ضيوفها على إيقاع الأضواء وعدسات المصوّرين، في مشهد جسّده السجاد الأحمر الذي احتضن لقاءات الفنانين والمخرجين والمنتجين، وفسح المجال أمام لحظات من التواصل وتبادل التحايا والتقاط الصور التذكارية، وسط أجواء عكست الحضور المتنامي لهذه التظاهرة في المشهد السينمائي.
ولم يقتصر الحضور على الطابع الاحتفالي، بل حملت المناسبة رسائل تقدير واعتراف بمجهودات العاملين في المجال السينمائي، تجسدت في تكريم عمار رابية، رئيس جمعية أضواء السينمائية، الذي اعتبر هذه الالتفاتة تكريمًا مستحقًا للتقنيين والمهنيين الذين يساهمون في صناعة العمل السينمائي بمختلف تخصصاتهم، مشيدًا بهذه المبادرة التي تسلط الضوء على الكفاءات التي تقف خلف الإنتاجات الفنية.
من جهته، عبّر المخرج والمنتج الجزائري مؤنس خمار عن تقديره للجهود التي تبذلها إدارة المهرجان، مثمنًا حرصها على مواصلة العمل وتفعيل المبادرات حتى خارج أيام التظاهرة، كما توقف عند الهوية البصرية للمهرجان، التي وصفها بالمتميزة والمتقنة، معربًا عن تفاؤله بمستقبله، ومعتبرًا أن المهرجان يمتلك مقومات التطور والنجاح. وأكد في هذا السياق أن قيمة المهرجانات السينمائية لا تنفصل عن المدن التي تحتضنها وسكانها، فهي ملك للمجتمع المحلي قبل أن تكون مجرد موعد للمهنيين والضيوف، وهو ما ينطبق على مهرجان تيميمون وساكنة الولاية.
أما الممثل والمخرج الجزائري سليم كشوش، فقد عبّر عن سعادته باكتشاف تيميمون من خلال هذه التظاهرة، معتبرًا أن المهرجان يمثل إضافة للسينما الجزائرية، بالنظر إلى ما يوفره من فرص للتعريف بالموروث الثقافي والسياحي للجنوب الجزائري أمام الضيوف الأجانب، وإبراز ما تزخر به المنطقة من خصوصيات تراثية وجمالية قادرة على إلهام الأعمال السينمائية واحتضان تجارب تصوير متميزة.
وفي قراءة للحضور الجماهيري الذي ميز حفل الافتتاح، نوّه عادل مخالفية، مدير المركز الوطني للسينما، بالإقبال اللافت الذي شهده مسرح الهواء الطلق، حيث توافد الجمهور قبل ساعات من انطلاق السهرة، في صورة عكست اهتمام سكان تيميمون بالسينما ورغبتهم في التفاعل مع عروضها ومناقشة مضامينها، بما يؤكد أهمية تقريب الفن السابع من الجمهور وإتاحة فضاءات تجمع المشاهدة بالنقاش الثقافي.
وعلى الصعيد الدولي، عبر المخرج المصري محمد سعدون، مدير مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، عن تفاؤله بالمسار الذي ينتظر مهرجان تيميمون، متوقعًا أن يحقق حضورًا مهمًا ضمن خريطة المهرجانات المتخصصة في الأفلام القصيرة، كما أشاد بمستوى الأعمال السينمائية التي ساهم، رفقة اللجنة المرافقة له، في انتقائها للمشاركة في هذه الدورة، معتبرًا أن نوعية الأفلام تشكل أحد العناصر الأساسية التي تمنح المهرجان قيمته الفنية.
بدورها، وجّهت الممثلة الجزائرية هيلدا أميرة دواودة تحية تقدير إلى القائمين على إطلاق هذه المبادرة السينمائية في مدينة تيميمون، معبّرة عن امتنانها لكل من ساهم في جعل المدينة وجهة تحتضن هذا الموعد الفني، كما كشفت عن رغبتها في خوض تجربة تصوير سينمائي بالمنطقة مستقبلًا، لما تتميز به من جمال طبيعي وخصوصية بصرية.