عنابة تحتفي بسينما الوجدان
من صرخة "بوبية" إلى استعادة ذاكرة يوسف شاهين
- 175
سميرة عوام
تواصلت بعنابة، في إطار فعاليات الطبعة السادسة لمهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، العروض السينمائية والأنشطة الفكرية والثقافية، التي عكست ثراء التجارب الفنية وتنوعها، حيث تفاعل الجمهور مع أعمال سينمائية مختلفة، وشارك في نقاشات ثرية، بالتوازي مع تنظيم معارض وندوات، أكدت جميعها أن السينما الحقيقية هي التي تنطلق من الواقع، لتخاطب الإنسان بصدق.
في هذا السياق، تجاوب الجمهور العنابي، أول أمس، مع العروض السينمائية المقدمة بالمسرح الجهوي "عز الدين مجوبي"، حيث تم متابعة أفلام، تحكي قصصا تمزج بين الذاكرة والواقع. وانطلقت هذه الجولة بفيلم "طريق جزائرية" للمخرج رابح عامر زعيمش، الذي قدم رؤية سينمائية هادئة، تبحث في أعماق الذات والجذور؛ حيث يحكي الفيلم قصة إنسان يحاول استعادة هويته، وسط تفاصيل الطبيعة والذاكرة، معتمدا على لغة بصرية عميقة، تسللت داخل نفوس الحاضرين وأثارت فيهم الكثير من التساؤلات حول الانتماء.
في سياق مختلف، قدم فيلم "بوبية" للمخرج ياسين بوعزيز، صرخة حقيقية لمعاناة الإنسان في مواجهة واقعه المعقد. يتناول الفيلم بأسلوب يجمع بين الواقعية والتشويق، تفاصيل الحياة اليومية والضغوط التي يتعرض لها الشخص، مصورا تلك اللحظات الفاصلة بين الخوف والمواجهة، ما جعله قريبا جدا من تطلعات الشباب، وهواجسهم التي يعيشونها في مجتمع يتغير بسرعة.
في هذا الإطار، أكدت بطلة فيلم "بوبية" الفنانة هناء منصور، في حديثها، عقب العرض، أن دورها في هذا العمل، كان بمثابة تحدٍ لنقل صرخة مكتومة، تعيشها الكثير من الشابات في واقعنا المعقد. وأوضحت أن الفيلم يسلط الضوء على تلك اللحظات، التي يشعر فيها الإنسان بأنه محاصر، تماماً مثل "الدمية"، بين رغباته الخاصة والضغوط التي يفرضها عليه المجتمع. وأضافت منصور، أنها سعت جاهدة لتجسيد معاناة الشخصية بصدق وعفوية، بعيداً عن التكلف، لتصل الرسالة إلى قلب كل شاب وشابة يحلمون بالتغيير والمواجهة.
أما الختام، فكان مع الفيلم الفلسطيني "فلسطين 36" للمخرجة آن ماري جاسر، الذي نجح في كسب تعاطف وإعجاب الجماهير، من خلال العودة إلى حقبة الثلاثينيات. ويحكي الفيلم عن صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بأرضه وتفاصيل حياته الجميلة، رغم كل الصعاب، حيث استحضرت المخرجة التاريخ بروح فنية عالية، جعلت المشاهد يعيش نبض تلك الفترة، وتفاصيلها النضالية والاجتماعية. وقد تلت هذه العروض نقاشات ثرية بين الجمهور وصناع الأفلام، أكدت أن السينما الحقيقية هي التي تخرج من صلب الواقع، لتخاطب الإنسان بصدق وبساطة.
لجان التحكيم الخاصة:
تنوع المدارس السينمائية يثري القراءة النقدية
أجمعت لجان التحكيم الخاصة بتقييم الأفلام الروائية والقصيرة، في الطبعة السادسة لمهرجان عنابة المتوسطي، خلال ندوة صحفية بفندق "سيبوس"، أول أمس، على ضرورة العمل بروح الديناميكية العالية، وتعزيز مفهوم العائلة الواحدة في ممارسة النقد السينمائي، مؤكدين أن المسؤولية الفنية، تتطلب تجاوز النظرة الفردية الضيقة، لتفادي أي خطأ قد يخل بالتقييم ولا يخدم المبدعين المشاركين. إن هذا الاجتماع الفني، الذي يضم نخبة من المخرجين والممثلين القادمين من حوض المتوسط، وهي لجنة متنوعة تشمل تونس ومصر وإيطاليا والدنمارك والجزائر، يمثل في جوهره، لقاء للمدارس السينمائية المختلفة، حيث تلتقي التجربة العربية بالرؤية الأوروبية، لتشكيل وعي نقدي مشترك، قادر على استيعاب خصوصية كل عمل سينمائي، وتفكيك شيفراته الجمالية، بعيدا عن القوالب الجاهزة أو التصنيفات المسبقة.
وأكدت اللجنة في كلمتها الافتتاحية، أن التحليل السينمائي سيستند بشكل أساسي إلى الخبرات والمعرفة لكل عضو، مع استحضار خلفياتهم المهنية في التمثيل والإخراج، لضمان قراءة شاملة للعمل الفني، مشيرين إلى أن التنوع الكبير في المدارس السينمائية، التي تنحدر منها الأفلام، سيجعل من عملية التقييم مهمة صعبة ومعقدة، لكنها ليست مستحيلة في ظل التمسك بالعمل الجماعي، الذي يهدف في المقام الأول، إلى إعطاء كل ذي حق حقه من التقدير والإنصاف الفني. إن هذا الالتزام بالحياد التام والابتعاد عن أي انحياز مسبق، هو ما يعطي للمهرجان مصداقيته، حيث يظل العمل الجيد والجاد، الوحيد القادر على فرض نفسه بقوة، وهو الذي يضع لبنته الحقيقية في ذاكرة السينما والجمهور على حد سواء، ليثبت أن الجودة لا تحتاج إلى وسيط، بل تتحدث عن نفسها من خلال تماسك عناصرها الفنية.
كما تركز اللجنة في ورقة تقييمها على تفاصيل دقيقة، تشمل أداء الممثلين ومدى قدرتهم على تقمص الشخصيات بعمق، وقوة السيناريو وحبكته الدرامية، والرؤية الإخراجية التي تمنح الفيلم هويته البصرية، بالإضافة إلى لغة الفيلم والمونتاج الذي يضبط الإيقاع الزمني للقصة، فكل هذه الأدوات تعتبر ركائز ضرورية، لا يمكن التنازل عنها للوصول إلى تقييم عادل ومنطقي. ورغم ما قد يطرأ من اختلاف طبيعي في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة، إلا أن القناعة الراسخة تظل بأن السينما هي نقطة اللقاء التي تجمع النقاد والمخرجين والمبدعين، وهي الفضاء الذي تذوب فيه الخلافات لصالح لغة الصورة والحوار الإنساني الراقي، ليكون النجاح الحقيقي في هذه التظاهرة، هو الانتصار للفن الصادق الذي لا يعرف حدودا ولا تحيزات، بل يبحث دوما عن الإبداع في أبهى صوره، وأكثرها تأثيرا على الجمهور والمتفرج.