"خيط الروح" ليوسف محساس
ملحمة سينمائية تنسج الأمل من وجع الذاكرة
- 190
سميرة عوام
يُجسّد فيلم "خيط الروح" للمخرج يوسف محساس، حالة سينمائية فريدة، استوقفت جمهور مسرح "عز الدين مجوبي" بعنابة، أول أمس، حيث نسج برؤيته الإخراجية الثاقبة، خيوطاً من الأمل المستوحى من قلب المأساة، في عمل روائي طويل، شارك في مسابقة مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي.
انطلقت أحداث الفيلم من عمق الوجع والفقد الذي خلّفته مجزرة دوار "كف الطاووس" الأليمة، لتروي قصة "مروان" العائد من صخب العاصمة، حاملاً أمانة أخلاقية وجمالية ثقيلة، تتمثل في محاولة الحفاظ على بهجة العيد للأطفال التسعة الذين نجوا من الموت. وهي المهمة الإنسانية التي قادته للقاء الفنانة الصاعدة ليديا شبوط، التي تألقت في تقمّص دور "رانيا" . تلك الشابة اليتيمة التي تعيش وطأة القسوة في بيت عمتها، وتحمل انكساراتها الصامتة بين جوانحها.
وقدّمت ليديا شبوط في هذا العمل أداءً لافتاً ومبهراً، تميّز بقدرة فائقة على تجسيد مشاعر الحزن المختلط بالإصرار دون مبالغة، ما جعلها تبرز كواحدة من الوجوه الجديدة الواعدة التي ستغيّر ملامح السينما الجزائرية مستقبلاً. وقد تناغمت ملامحها وتعبيراتها الصادقة مع روح النص، الذي يحوّل خياطة الأثواب من مجرد مهنة تقليدية إلى فعل مقاومة وجودي ضد الموت، والنسيان والبشاعة.
وشهدت قاعة العروض بالمسرح الجهوي "عز الدين مجوبي" ، توافداً كبيراً من العائلات والأطفال، ما عكس تعطّش المشاهد لقصص تمس الذاكرة الجماعية بأسلوب شعري راقٍ؛ إذ لم يكن الفيلم مجرد رصد فوتوغرافي لمعاناة تاريخية، بل كان احتفاءً بالجمال؛ كأداة للترميم النفسي، وإعادة بناء ما دمّره العنف. وتكتشف الشخصيات ومعها الجمهور، أن "خيط الروح" هو ذلك الرابط الخفي والمتين الذي يجمع الأقدار المشتّتة، ويصنع ملحمة صمود تحتفي بالحياة والبهجة رغم الجراح.
ونجح يوسف محساس في إدارة طاقمه الفني باحترافية عالية، ليقدّم لوحة بصرية متكاملة، تزاوجت فيها الموسيقى التصويرية الشجية مع كادرات التصوير، التي نقلت المُشاهد إلى قلب القرية المنكوبة، ليعيش تفاصيلها. وجاء التصفيق الحار الذي هزّ أركان مسرح مجوبي في ختام العرض، بمثابة شهادة استحقاق شعبية لهذا العمل، الذي استطاع أن يلمس الوجدان، ويؤكد أن السينما تظل النافذة الأجمل لاستعادة الإنسان روحه من بين الأنقاض.
من السينماتيك إلى "مجوبي"
عنابة تصوغ حوارًا بصريًّا بين الماضي والراهن
في أجواء سينمائية استثنائية، تواصل مدينة عنابة تأكيد مكانتها كمنصة ثقافية نابضة بالحياة، تحتضن مختلف تجليات الفن السابع، وتفتح شاشاتها لرحلة بصرية تجمع بين عبق الذاكرة وجرأة الحاضر. وبين قاعة السينماتيك وخشبة المسرح الجهوي عز الدين مجوبي يلتقي عشاق السينما مع روائع خالدة وأعمال معاصرة، في حوار فني يعبر الأجيال، ويعيد طرح أسئلة الهوية، والحرية والتاريخ.
عرفت قاعة "سينماتيك عنابة" ، أول أمس، توافدًا كبيرًا من العائلات وعشاق السينما الكلاسيكية والوثائقية، الذين قدموا لمتابعة عروض سينمائية استثنائية ضمن فعاليات المهرجان. وساد القاعة جو من الشغف الفني، حيث تحولت العروض إلى منصة حوارية بين الأجيال حول قضايا الذاكرة، والهوية والجمال البصري. واستُهل البرنامج بعرض فيلم "النيل والحياة" (إنتاج 1968) للمخرج العالمي يوسف شاهين، وبطولة صلاح ذو الفقار، وشادي عبد السلام، وإيغور بيلولوف.
ويُعدّ العمل قراءة ملحمية في تاريخ البناء والإرادة، حيث تناول مشروع بناء السد العالي لا كتوثيق هندسي جاف، بل كرحلة إنسانية تربط بين تدفق النهر وصمود الإنسان المصري. وقد استخدم شاهين لغة بصرية متفردة تمزج بين الرمزية والواقعية، حيث برز النيل كبطل أساسي يحدد مصائر الشخصيات. وانبهر الجمهور العنابي بإدارة اللقطات الفنية، التي أبرزت التلاحم بين العمال والمهندسين، فيما عكست قراءة الفيلم روح التحرر، والبناء في تلك الحقبة، ما جعل العرض فرصة لاستعادة زمن الأحلام الكبرى، وسط تصفيق حار؛ تقديرًا لقيمة هذا الكنز السينمائي. وتواصلت أجواء الإبداع مع عرض فيلم "عودة الابن الضال" (إنتاج 1976) للمخرج يوسف شاهين، من بطولة محمود المليجي، وشكري سرحان، وسهير المرشدي، وبمشاركة غنائية أولى للفنانة ماجدة الرومي.
وقدّم الفيلم قراءة درامية غنائية لعائلة تنتظر عودة الابن الغائب، لتكتشف أن العودة ليست دائمًا خلاصًا في إسقاط رمزي على الانكسارات العربية بعد 1967. وتفاعل الجمهور، بشكل عاطفي، مع الأغاني والحوارات الفلسفية التي حملها العمل، معتبرين أنه لايزال راهنًا في تساؤلاته حول الأرض، والعائلة والحرية، فيما منح أداء الممثلين قوة تعبيرية، جعلت من القاعة فضاءً مشحونًا بالنوستالجيا، والتأمل.
كما شمل البرنامج عروضًا وثائقية معاصرة مثل "May be one day"، "Lettres"، "Canon Effimero"، و«Terminus"، لمخرجين شباب واعدين، استطاعوا، بلغة سينمائية مكثفة، ملامسة قضايا الراهن؛ فقدّم "Lettres" قراءة مؤثرة في الذاكرة عبر الرسائل الورقية، بينما طرح "Terminus" تساؤلات حول النهايات في المسارات الإنسانية. وقد استقطبت هذه الأعمال جمهورًا نوعيًا من الشباب والطلبة. وتميزت بجرأة الطرح، والابتعاد عن الأطر التقليدية، فيما أشادت النقاشات النقدية بقدرة صنّاعها على تحويل التفاصيل اليومية إلى مادة سينمائية ثرية، معتبرة السينما الوثائقية "رئة" فكرية وسط زخم العروض الروائية. وفي السياق عينه، تألقت خشبة المسرح الجهوي "عز الدين مجوبي" ، بعروض سينمائية مميزة ضمن المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة، حيث استقطبت جمهورًا واسعًا، جاء لاكتشاف تجارب بصرية متنوعة، تعكس قضايا الإنسان والتاريخ.
واستُهلت العروض بفيلم "عجيب هو صمت سيدي" (إنتاج 2024) للمخرج ماريان ديفيدوفيتش من مونتينيغرو، الذي قدّم قراءة فلسفية حول الصراع بين الصمت وإرادة الحرية، من خلال أداء هادئ، جعل المشاهد ينغمس في تأملات وجودية عميقة. وتواصل الزخم مع الفيلم المصري "عائشة لا تستطيع الطيران" (إنتاج 2024) للمخرج مراد مصطفى، الذي لامس قضايا الهجرة ومعاناة الإنسان، حيث نقلت الممثلة الرئيسية بإحساس عالٍ، صورة جيل يبحث عن الأمل في واقع ضيق، ما أثار تعاطف الجمهور، وتصفيقه. واختُتمت العروض بالملحمة التاريخية "أحمد باي" (إنتاج 2023) للمخرج جمال شورجة، وبطولة محمد الطاهر الزاوي، بمشاركة جيرار ديبارديو، حيث استعرض الفيلم نضال الشخصية الوطنية أحمد باي ضد الاستعمار الفرنسي، في عمل سينمائي أبهر الحضور بديكوراته، وملابسه.
لويزة إغيل أحريز تكتب حضورًا استثنائيًّا
شهد مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، حضورا لافتا، حمل بعدًا تاريخيًا ورمزيًا، من خلال استقبال المجاهدة لويزة إغيل أحريز، إحدى أبرز رموز الثورة التحريرية الجزائرية. وقد شهدت المناسبة حضور الأستاذ أحمد بجاوي، أحد أعلام السينما الجزائرية، والفنانة سارة لعلامة، في مشهد عكس تلاقي الذاكرة الوطنية مع الفعل الثقافي، وتقدير الوسط الفني لشخصيات ساهمت في صناعة تاريخ البلاد.
وقد خيّم على لحظات الاستقبال جوّ من التقدير والاعتراف، حيث عبّر عدد من الفنانين والضيوف عن اعتزازهم بوجود هذه القامة التاريخية في فضاء المهرجان. وعُدَّت هذه اللحظة بمثابة جسر رمزي بين السينما والذاكرة الوطنية، وبين الأجيال الفنية الجديدة وتضحيات من صنعوا استقلال الجزائر. كما احتفى الحضور بالمجاهدة لويزة إغيل أحريز؛ بوصفها شاهدًا حيًا على مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد، مؤكدين أن السينما الجزائرية تستمد جزءًا من مشروعها الجمالي والإنساني من مثل هذه الشهادات الحية.
وفي هذا السياق، تحوّل اللقاء إلى لحظة توثيق رمزية، أعادت ربط الشاشة بالذاكرة، والفن بالتاريخ. وتُعدّ لويزة إغيل أحريز من الوجوه النضالية البارزة في تاريخ الثورة التحريرية، إذ التحقت بصفوف الكفاح في سنّ مبكرة. وعُرفت بشجاعتها كفدائية خلال معركة الجزائر. كما وثّقت في مذكراتها محطات من تجربتها مع التعذيب والمقاومة، لتتحول شهادتها إلى وثيقة إنسانية وتاريخية، كشفت بشاعة الاستعمار. وأسهمت في إيصال صوت الثورة إلى الرأي العام العالمي.
في احتفال مفتوح
الأطفال يرسمون البهجة على خشبة الحياة
عاش الجمهور الصغير من الأطفال والمتمدرسين، أوّل أمس، لحظات رائعة مع الفرح، والرقص، والبهلوان، حيث تحولت الساحة الكبيرة المقابلة لمسرح "عز الدين مجوبي" بقلب مدينة عنابة، إلى فضاء مفتوح على السعادة، والإبداع. وضمن الأنشطة الموازية لمهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، خُصص هذا اليوم ليكون احتفالية استثنائية، تهدف إلى تقريب عالم السينما من براءة الطفولة، مؤكدة أن المهرجان ليس مجرد عروض فنية، بل هو نبض اجتماعي، يسعى لغرس قيم الجمال والبهجة في نفوس أجيال الغد.
وعلى وقع أنغام موسيقية متنوعة، صنع الصغار ملحمة حقيقية من الرقص والغناء، حيث أدّوا رقصات على إيقاعات جمعت بين الحداثة والأصالة، وسط أجواء من الغبطة التي غمرت المتمدرسين، الذين توافدوا للمشاركة في هذا العرس الفني. وقد تحولت العروض البهلوانية والأنشطة الترفيهية إلى لغة تعبيرية، أطلق من خلالها الأطفال طاقاتهم الإبداعية، معبرين خلال أكثر من ساعة، عن فرحة عارمة سكنت ملامحهم الصغيرة، وأضفت حيوية استثنائية على محيط المسرح العريق.
وزاد من جمالية هذه الأجواء حضور وجوه فنية بارزة، لعل أبرزها النجم مصطفى لعريبي، الذي خطف الأضواء بتفاعله الإنساني الراقي؛ إذ لم يكتفِ بالمشاهدة، بل انغمس في أجواء الفرح، مشاركًا الأطفال رقصاتهم، وعفويتهم؛ ما خلق حالة من التلاحم الجميل بين الفنان وجمهور المستقبل. وقد نجحت هذه المبادرة في احتواء طموحات الصغار، الذين وجدوا في مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، متنفسًا للتعبير عن ذواتهم. ويرى محافظ مهرجان عنابة محمد علال، أن ربط المتمدرسين بمثل هذه التظاهرات الدولية، يساهم في بناء ذائقة فنية مميزة. ويجعل من مشاركتهم لوحة جميلة، ترسم ضحكاتهم أمام مسرح مجوبي، في شهادة إضافية لرصيد المهرجان.
ليديا شبوط تتألّق
عبّرت النجمة الصاعدة ليديا شبوط، بطلة الفيلم الجزائري "خيط الروح"، عن تأثرها الكبير عقب عرض العمل السينمائي ضمن فعاليات مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، مؤكدة أنها المرة الأولى التي تشاهد فيها الفيلم كاملًا على شاشة السينما.
ولم تُخفِ شبوط سعادتها الكبيرة بالنتيجة النهائية، مشيدة بالدقة البصرية العالية، والرؤية الإخراجية المميزة للمخرج يوسف محساس، والتي منحت الفيلم بعدًا جماليًا لافتًا، لامس إحساس الجمهور. كما وجّهت ليديا شبوط رسالة خاصة إلى جمهور العاصمة، واعدة بلقاء قريب لمناقشة الفيلم، معبرة عن حماسها لنقل هذه "الروح" السينمائية، إلى قلب الجزائر. ويؤكد هذا الدور حضور شبوط كموهبة صاعدة في السينما الجزائرية، فيما يبقى "خيط الروح" محطة بارزة في مسيرتها الفنية، وبصمة مميزة في طبعة 2026 من مهرجان عنابة.
ملصق "أحمد باي" يفجّر الجدل
حاج جيلاني تندّد بتهميش الزاوي
استنكرت منتجة الفيلم التاريخي "أحمد باي" سميرة حاج جيلاني، التوجّه الذي اعتمده القائمون على مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي في تصميم ملصق العمل. وقالت إن ما حدث يمثل تجاوزاً للأعراف المهنية. وأبدت حاج جيلاني استياءها من تجاهل الملصق الرسمي للفيلم، وتغييب صورة بطل العمل، النجم محمد الطاهر الزاوي لصالح الممثل العالمي جيرار ديبارديو. وأشارت إلى أنه رغم الاعتزاز بمشاركة نجم عالمي إلا أن ذلك لا يبرر تهميش صاحب الدور الرئيسي، أو تشويه الهوية البصرية الأصلية للعمل الذي يؤرخ لحقبة وطنية هامة.
ولم يقتصر نقد المنتجة على الجانب الفني للملصق، بل امتد ليشمل ما وصفته بالتجاهل الإعلامي الممنهج، حيث لاحظ المتابعون غياب الفيلم عن المنصات الترويجية والوسائل الإعلامية التابعة للمهرجان. ووصفت حاج جيلاني هذه الممارسات بالبعيدة كل البعد عن الأهداف الثقافية السامية، معتبرةً إياها انعكاساً لمحاولات تصفية حسابات شخصية، تضر بمصلحة الفن والسينما الجزائرية عوضاً عن خدمتها، وتطويرها.
وفي سياق متصل، وجّهت سميرة حاج جيلاني نداءً إلى وزيرة الثقافة والفنون للتدخل العاجل، ووضع حد لهذه التصرفات التي تسيء لتنظيم التظاهرات الدولية في الجزائر. وشددت على ضرورة حماية الأعمال السينمائية من الارتجالية في التسيير، مؤكدةً أن احترام المبدع الجزائري ومنحه المكانة التي يستحقها، هو حجر الزاوية في نجاح أي مهرجان ثقافي يسعى إلى الاستمرارية، والاحترافية.
السينما والهجرة
ذاكرة تتشكّل وهوية تتجدّد
استعرضت الندوة الفكرية المعنونة بـ«السينما والهجرة: الهوية والتحولات" التي احتضنها فندق "سيبوس" الدولي، خلال فعاليات مهرجان الفيلم المتوسطي، أوّل أمس، أبعادًا عميقة في علاقة الفن السابع بقضايا الشتات والانتماء، حيث تم التركيز على كيفية صياغة الذاكرة الوطنية في مهجر لا يهدأ.
وركّزت المداخلات على محاور جوهرية، تناولت الاغتراب ليس فقط كرحلة جغرافية، بل كتحوّل وجودي، يفرض على صنّاع السينما إعادة تعريف الهوية بين الوطن الأصلي ومنافي المنفى، وكيفية توظيف الكاميرا كأداة لاستعادة الجذور، وترميم الانكسارات النفسية التي يخلّفها البعد. وفتحت الندوة ملفات متنوعة حول مفهوم الانتماء في السينما المعاصرة. وبحثت في كيفية انتقال المبدع من نقل واقع الهجرة الصعب، إلى تقديم رؤى فنية تحتفي بالهوية ككيان مرن، وقابل للتطور.
وشاركت في الجلسة الفنانة المصرية القديرة سهير المرشدي، التي أثرت النقاش برؤيتها الفنية حول دور السينما في صون الذاكرة الجماعية للشعوب، مؤكّدة أنّ الفن يظلّ الحصن الأخير لمواجهة ذوبان الهويات في ظلّ التحوّلات العالمية المتسارعة. وقد تجلّى ذلك في مداخلات الضيوف، الذين استعرضوا تجاربهم بين ضفتي المتوسط.
كما تطرقت النقاشات للسينما؛ كمرآة تعكس صراع الأجيال في بلاد الاغتراب، وكيف تحوّلت القصص السينمائية من سرد المأساة واللجوء إلى استكشاف التحوّلات الفكرية والاجتماعية، التي تصبغ شخصية المهاجر المعاصر. ويرى المشاركون أنّ قوّة هذه الأعمال تكمن في قدرتها على مدّ جسور التواصل الثقافي، محوّلة تجربة المنفى من حالة ضياع إلى حالة إبداع خلاّق، حيث تم تسليط الضوء على ضرورة دعم الأفلام التي تبرز الخصوصية الثقافية، مع الانفتاح على الآخر.
واختُتمت الندوة بتأكيد المشاركين أنّ السينما هي اللغة العالمية، القادرة على فكّ شفرات "الهوية" المعقدة؛ ما جعل هذا اللقاء من أبرز محطات المهرجان التي لامست الوجدان، وأثارت تساؤلات عميقة حول مستقبل الفن في ظل موجات التحول الإنساني الكبرى، ليبقى الفن السابع ذاكرة من لا وطن له، والوطن الذي يسكن كل فنان مغترب.
بونة تغنّي للسينما
بونة تغنّي للسينما
تجلّت الهوية العنابية، أوّل أمس، بأبهى صورها في قلب مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي في دورته السادسة، حيث تمت مرافقة الأطفال في هذا الحدث السينمائي الدولي، ببرنامج فني موازٍ، يعكس عمق الجذور، وأصالة الموروث. وقد تابع الحضور لوحات استعراضية راقية قدمها براعم ورشة دار الثقافة "محمد بوضياف" للرقص الكلاسيكي، بإشراف الأستاذة ميزي، إذ أطلّ الصغار باللباس التقليدي العنابي الأصيل، ليرسموا بخطواتهم لوحات فنية على أنغام "المالوف" الخالدة لعميد الفن الراحل حسان العنابي، في لمسة فنية، ربطت بين سحر السينما وجمالية التراث المحلي.
ولم يقتصر الحضور العنابي على الجانب الاستعراضي، بل امتدّ ليشمل ترسيخ الثقافة السينمائية لدى الناشئة عبر مسابقة تفاعلية نظّمتها المستشارة الثقافية بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية "بركان سليمان"، السيدة سهيلة حقيقي، والتي شهدت تجاوبًا كبيرًا من الأطفال، الذين تنافسوا في الإجابة عن أسئلة الفن السابع. وتلقّوا جوائز تحفيزية، شجعتهم على الانخراط في المشهد الإبداعي.
واختُتمت هذه الاحتفالية بنغمات عذبة قدمها طلبة معهد التكوين الموسيقي بالبوني، الذين أبدعوا في عزف مقاطع موسيقية متنوعة، أضفت حيوية لافتة على أجواء المهرجان، مؤكدين على الدور المحوري للمؤسسات التكوينية في رفد الساحة الفنية. ويأتي هذا البرنامج ليؤكد أن قوة مهرجان عنابة لا تكمن، فقط، في الأفلام المعروضة، بل في قدرته على خلق تكامل فريد بين السينما ومختلف الفنون المحلية؛ ما منح التظاهرة بعدًا احتفاليًا مميزًا، وجعل من مدينة "بونة" فضاءً مفتوحًا للإبداع.
مدير التصوير سمير فرج:
الصورة السينمائية ليست انعكاساً بل بناءٌ شعوريٌّ
تفرَّد الفن البصري في الجلسة السينمائية التي جمعت عشاق الفن السابع بمدير التصوير سمير فرج بفندق سيبوس الدولي، في حوار شيق، حيث تحوَّل "الماستر كلاس" إلى فضاء فني حي، استعرض فيه فلسفة الضوء، وكيفية تطويع الكاميرا لتكون أداة لسرد الحكايات العميقة. وانطلق فرج في حديثه من مبدأ أنّ الصورة ليست مجرّد انعكاس للواقع، بل هي بناء درامي متكامل، يشترك فيه الظلّ والنور لخلق حالة شعورية تتجاوز حدود الشاشة، مؤكّداً أنّ التقنيات الحديثة رغم تطوّرها المذهل، تظلّ مجرّد أدوات صماء ما لم يُحرّكها وعي الفنان، وقدرته على استنطاق الزوايا والعدسات.
واسترسل فرج في شرح العلاقة الوثيقة بين مدير التصوير والمخرج، موضحاً كيف يترجم المصور الرؤية الفكرية بلغة بصرية ملموسة، معرجاً على تجاربه الطويلة في مواجهة تحديات الإنتاج السينمائي، التي تتطلب مرونة إبداعية عالية، وحلولاً ذكية تتجاوز العوائق المادية. كما تم خلال هذا اللقاء استحضار السينما الكلاسيكية، ومقارنتها بالوسائط الرقمية المعاصرة؛ ما خلق جسراً معرفياً بين أصالة الماضي وتطلعات المستقبل، حيث شدد فرج على أن سر الخلود في السينما يكمن في صدق الكادر، وقدرته على ملامسة الوجدان الإنساني.
واختُتمت هذه التظاهرة الثقافية بحوار مفتوح، اتسم بالشفافية، والعمق، استعرض فيه الحاضرون خبرات تراكمت عبر عقود من العطاء، ليبقى هذا اللقاء مرجعاً رئيسياً للشباب، يؤكد أن صناعة السينما هي مزيج ساحر بين العلم والفن، وأن العين التي ترى الجمال خلف العدسة، هي المحرك الحقيقي لكل إبداع بصري جميل، تاركاً في نفوس المهتمين شغفاً متجدداً لاستكمال مسيرة التميز في عالم الشاشة الفضية.