".. تعبُر المتوسط"
مقتنيات نادرة توثق التعاون الجزائري ـ المصري
- 105
سميرة عوام
في لحظة وفاء لذاكرة السينما، تحولت محطة القطار التاريخية بمدينة عنابة، أول أمس، إلى فضاء إبداعي مميز، اختزل عقودا من سحر الفن السابع، تزامنا مع فعاليات الطبعة السادسة لمهرجان عنابة للفيلم المتوسطي. فقد عرف البهو العتيق للمحطة، افتتاح معرض استثنائي، يحمل شعار "سينما يوسف شاهين تعبُر المتوسط"، ليكون بمثابة رحلة بصرية تربط بين "محطة مصر" العريقة وقلب مدينة بونة، موثقا للذاكرة السينمائية المشتركة التي جمعت بين الجزائر ومصر، في علاقة فنية عميقة تمتد لسنوات طويلة.
جرت مراسم الافتتاح في أجواء احتفالية رفيعة، بحضور رئيس ديوان والي عنابة، ورئيس دائرة عنابة، رفقة السفير المصري بالجزائر عبد اللطيف اللايح، ومشاركة محافظ المهرجان والمديرة المحلية للثقافة والفنون. كما حضر مئوية ميلاد يوسف شاهين، نخبة من الفنانين والمبدعين العرب والأجانب، الذين أبهرهم اختيار هذا الفضاء المعماري، ليكون حاضنا لذاكرة يوسف شاهين، المخرج الذي لم تكن أفلامه مجرد قصص، بل كانت جسورا ثقافية عبرت البحر الأبيض المتوسط، لتستقر في وجدان المشاهد المغاربي والعربي.
لم يكتفِ المعرض بتقديم ملصقات الأفلام الكلاسيكية، التي خلدت مسيرة شاهين، بل امتد ليشمل ركنا جميلا، استعرض التجهيزات السينمائية القديمة والحديثة، ما سمح للزوار، خاصة الشباب منهم، بمشاهدة التطور التقني الذي رافق صناعة الأحلام عبر الزمن. وقد أضفت مشاركة جمعية "أضواء" من الجزائر العاصمة بصمة خاصة على المعرض، حيث ساهمت بمقتنيات نادرة توثق للتعاون السينمائي الجزائري المصري، خاصة في تلك الأعمال التي كانت الجزائر شريكا في الإنتاج، أو فضاء للتصوير، ما عزز قيمة المعرض كمرجع تاريخي وتوثيقي.
إن اختيار محطة القطار بعنابة، لاحتضان مئوية شاهين، حسب مديرية الثقافة بعنابة، يحمل دلالة رمزية عميقة؛ فالمحطة هي رمز للارتحال واللقاء، والسينما بدورها هي قاطرة تنقل الثقافات بين الشعوب. هذا المعرض، على حد تعبيرهم، ليس مجرد عرض عابر للملصقات والصور، بل هو احتفاء حي بالتراث السينمائي المشترك، وتأكيد على أن الإبداع الحقيقي لا يعترف بالحدود الجغرافية. لتضيف مديرية الثقافة، أن عنابة اليوم، نجحت في أن تجعل من صوت القطارات وتاريخ المحطة خلفية موسيقية لمشاهد سينمائية خالدة، لتعيد إلى الأذهان أن الفن هو الذاكرة التي لا تموت، وهو الرابط المتين الذي يجمع ضفتي المتوسط في وحدة فنية، تجمع بين الأصالة والروح المعاصرة.
في هذا السياق، عبرت الممثلة المصرية القديرة سهير المرشدي، عن عمق محبتها لمدينة عنابة وجمهورها، مؤكدة أن تواجدها في هذه التظاهرة، هو احتفاء بذكرى مئوية المخرج الراحل يوسف شاهين. وأوضحت المرشدي، أن الفضل في لقائها اليوم، بجمهور مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، يعود إلى مدرسة شاهين السينمائية، حيث كانت مشاركتها في فيلم "عودة الابن الضال" محطة فاصلة، حققت لها نجومية واسعة وبصمة لا تُنسى. كما وصفت شاهين بأنه مخرج ذو باع طويل في الفن، ومدرسة إخراجية متفردة، تظل حية في وجدان السينما العربية، مشيرة إلى أن الاحتفال بمئويته في الجزائر، يعكس قيمة الفن العابر للحدود والزمن.
من جهته، أكد سفير جمهورية مصر العربية بالجزائر، السيد عبد اللطيف اللايح، على هامش المعرض، أن الطبعة السادسة لمهرجان عنابة تمثل نسخة استثنائية بامتياز، كونها تحتفي بعبقرية المخرج الكبير يوسف شاهين. وأشار السفير في تصريحه، إلى أن المهرجان نجح في تكريم القامات السينمائية المصرية، ما يُبرز دور الفن كرافد أساسي لتعميق الروابط بين الشعبين الشقيقين. كما اعتبر أن اسم يوسف شاهين يمثل اليوم، حلقة وصل قوية، تجمع بين الجزائر ومصر، مجسدا الروابط العربية المشتركة وحب الوطن، ومؤكدا أن السينما تظل الأداة الأرقى لتعزيز التقارب الثقافي والوجداني بين الشعوب.
ذاكرة خيخون
حين صنع "الخضر" المجد في إسبانيا
احتضن المسرح الجهوي "عز الدين مجوبي" بعنابة، أول أمس، أمسية تاريخية بامتياز، حيث امتزجت دموع الحنين بهتافات الفخر، خلال عرض الفيلم الوثائقي "ملحمة خيخون 1982"، للمخرج علي فاتح عيادي، الذي جاء ليؤرخ لواحدة من أجمل الصفحات في تاريخ الرياضة العالمية والجزائرية، على حد سواء. لم يكن هذا العرض مجرد فعالية ثقافية عابرة، بل تحول إلى احتفالية وطنية، جسدت مدى ارتباط الجمهور الجزائري بذاكرته الجماعية، وبأبطال صنعوا المجد من لا شيء، متحدين كبار اللعبة في عقر دارهم بإسبانيا.
يروي الفيلم، بتفاصيل دقيقة ومؤثرة، قصة ذلك الجيل الذهبي الذي لم ينحنِ أمام غطرسة الماكينات الألمانية، مسلطًا الضوء بشكل خاص على العبقرية الكروية للثنائي الأسطوري لخضر بلومي ورابح ماجر. فمن خلال مشاهد الأرشيف المرممة بشق الأنفس وشهادات الفاعلين، استعاد الجمهور تلك اللحظة السحرية، التي سجل فيها ماجر الهدف الأول، ثم اللمسة القاتلة لبلومي، التي هزت شباك شوماخر، ليُعلن للعالم أن "الخضر" ليسوا مجرد ضيوف شرف، بل فرسان يمتلكون الموهبة والجرأة. كما غاص الفيلم في كواليس التحضيرات، وكيف استطاع المدربون واللاعبون بناء جسر من الثقة والتواصل في ذلك الوقت. ما ميز عرض المسرح الجهوي بعنابة، ذلك التلاحم الفريد بين أبطال الملحمة، الذين حضروا شخصيًا، وبين جمهور عنابة الذي غصت به القاعة. لقد تعامل الحاضرون مع الأبطال ليس كنجوم سابقين، بل كرموز وطنية حية؛ فتعالت الزغاريد والتصفيقات مع كل لقطة فنية تُظهر مهارات أبطال الملحمة.
توقف الوثائقي كذلك عند "مؤامرة خيخون" الشهيرة، بين ألمانيا والنمسا، والتي أدت إلى إقصاء الجزائر ظلمًا، لكن الفيلم اختار أن يركز على "النصر الأخلاقي"، الذي حققته الجزائر حينذاك، حيث أُجبر الاتحاد الدولي على تغيير قوانين اللعبة، لتُلعب مباريات الجولة الأخيرة في وقت واحد، منعًا للتلاعب. إن هذا الفيلم يُعد وثيقة تاريخية للأجيال الصاعدة، تذكرهم بأن المستحيل ليس جزائريًا، وأن الإبداع الذي جسده بلومي وماجر ورفاقهم هو امتداد للشخصية الوطنية التي تعشق التحدي، ليظل "صدى خيخون" يتردد في أروقة مسرح عنابة، كشاهد على زمن، كان فيه القميص الوطني يُبلل بعرق الإخلاص وحب الوطن.