رحلة في تجليات عالم الصوفية
"مقام الشوق" جديد عمار علي حسن
- 761
ق. ث
صدر عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، كتاب "مقام الشوق .. تجليات صوفية" لعمار علي حسن، يحمل عبر سطوره تجليات مكتوبة بلغة أدبية شاعرية، هي عبارة عن ثلاثة وثلاثين مقاما صوفيا مختلفا عن تلك التي وردت في كتب التراث. ويبدو أن المقامات الجديدة التي حواها الكتاب تضيف إلى القديمة، ولا تناظرها أو تقلدها، وهي التي كانت تمثل إلهاما وإبداعا لقرائح وأذواق ومواجيد متصوفة بارزين في التاريخ الإسلامي، وتم تداولها على مدار القرون. صارت المقامات جزءا من الإرث الصوفي بتجلياته العرفانية والفلسفية والروحية، لكن كتاب مقام الشوق لا ينسى الجانب المادي المتعلق بمعيشة الناس، وكأنه يبحث عما يمكن أن نطلق عليه "صوفية أرضية"، موصولة بالسماء، لكنها تعيش مشكلات البشر وأشواقهم إلى العدل والحرية والكفاية.
ويعد كتاب "مقام الشوق" الذي يندرج تحته عنوان فرعي هو "تجليات صوفية" كتابا سرديا، يحوي مقامات صوفية جديدة، تجمع بين تجليات روحية، وأوضاع اجتماعية، وتأملات فلسفية، وأذواق أدبية، وأحوال نفسية، وطقوس دينية، وظروف سياسية. إنه نص عابر لأنواع الكتابة، لا يمكن تصنيفه على مستوى الشكل، لكن مضمونه يمكن وصفه، في سهولة، بأنه تعبير طبيعي عن شوق الإنسان إلى المحبة والحرية والعدل والسكينة، في مجتمع يتوحش. يحاول الكاتب أن يجعل الصوفية متفاعلة مع حركة الحياة التي تضطرب تحت وطأة مشكلات لا تتوقف، لذا يتوجه إلى من يعنيهم بكتابه هذا قائلا في مفتتحه “أيها المولعون بما قد مضى فحسب، له وحده القداسة في نفوسكم ورؤوسكم، عليكم إدراك أن بينكم الآن وهنا، من لا يقلون ولاية وهداية وتزكية وتقوى عن الذين راحوا، وسكنوا في الزمن الغابر. فمن بين الذين يعرقون بينكم ويكدون في حلال وشرف، ويضحون في صمت، وترونهم في الذهاب والإياب دون أن تلتفتوا إليهم، أولياء، لا يقلون أبدا عمن تُجلونهم، لا لشيء إلا أنهم راحوا".
يشكل الكتاب مقامات عن الكلمة والوجود والناس والتيه والحيرة والتجربة والدرب والولاية، والمعرفة والجمال والشوق والطيبة والصحبة والتعافي والغربة والوطن، والاعتدال والمثابرة والعزة والعدل والإصرار والتحمل والفداء والتجرد والحصاد، والطرب والخوف والصفح والتفاؤل والإقدام والعطف والبشارة والرحيل. ويبدو أن ما بين الكلمة باعتبارها هي البدء، وبين الرحيل، ما يجسد عبر مقامات صوفية رحلة الإنسان وأحواله المتقلبة من البداية إلى النهاية، وهذا يجعل المقامات المذكورة تغطي حركات وقيما عديدة، تحكم حركة الحياة البشرية من البداية إلى النهاية. يرى الكاتب الولاية بالمعنى الصوفي تتجسد أو تتجلى في كثير من الشخصيات البسيطة، التي تكافح بشرف وإخلاص من أجل أن تستمر وذويها على قيد الحياة، وبذا يوسع مفهوم أهل الطريق أو المتصوفة إلى ما هو أبعد من أولئك الموجودين في كتب التاريخ، أو من يجلسون على رؤوس الطرق الصوفية أو بعض الدعاة والمشايخ المعروفين.
يختلف هذا الكتاب عن سابقيه في التصوف للمؤلف نفسه، وهما "فرسان العشق الإلهي"، الذي صدرت منه سبع طبعات وتناول فيه أبرز الشخصيات الصوفية في تاريخ المسلمين، ودراسته الأكاديمية التي حواها كتابه "التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر.. ثقافة الديمقراطية ومسار التحديث لدى تيار ديني تقليدي"، الذي فاز بجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2010، حيث أن “مقام الشوق” نص صوفي لمؤلفه، أضاف فيه مقامات جديدة، تختلف عن المقامات السائدة عن المتصوفة السابقين، وبذا بدا نوعا من التأمل الذاتي العميق والحر، الذي يهبط من السماء إلى الأرض، ويتفاعل مع أحوال الناس.