"من "صونيا" إلى "آفاق"
"مسرحهنَّ" يروي مسار المسرح النسوي بالجزائر
- 118
سميرة عوام
صدر على هامش المهرجان الوطني الثقافي للمسرح النسوي، مؤلَّف مرجعي جديد يحمل عنوان "مسرحهنّ"، يحتوي على 128 صفحة، من إعداد كامل الشيرازي، وتصميم محمد أمين إسماعيل، وتحت إشراف محافِظة المهرجان الفنّانة تونس آيت علي. ويأتي هذا ليرصد مسار المهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي على مدار 14 عامًا، مستعرضًا المحطّات والمكتسبات الإبداعية لنساء الخشبة.
استُهلّ الكتاب بكلمة ترحيبية ومشجِّعة لوزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة، جاءت تحت بعنوان "الشعلة المتّقدة في طقس الارتقاء". وعدَّت المهرجان محطّة أساسية لدعم المبدعات الجزائريّات، وفضاءً فسيحًا للتفكير والتجريب الركحي، داعية إلى نقل العروض المسرحية من القاعات المغلقة إلى المساحات المفتوحة والبلديات؛ لتفعيل دور الفنّ في المسار التنموي الشامل.
كما سلّط الإصدار الضوء على الخلفية التنظيمية للمهرجان، الذي أُسّس بموجب قرار رسمي مؤرَّخ في جانفي 2010، استنادًا إلى المرسوم التنفيذي رقم 03-297 المؤرَّخ في 10 سبتمبر 2003. وتتحدّد ضوابط المشاركة في فتح المجال أمام الفرق النسوية الوطنية (المحترفة والهاوية)، مع اشتراط وجود بصمة نسائية جليّة في النصّ، أو الإخراج، أو السينوغرافيا، أو الموسيقى، أو الكوريغرافيا، وألّا تقلّ مدّة العمل الركحي عن 60 دقيقة بما يحقّق التكامل الفني بين مختلف عناصر العرض.
وفي توثيقه للمسار التاريخي استعرض المؤلَّف سجلّ الدورات المتعاقبة ولفتاتها التكريمية؛ حيث انطلقت الدورة الأولى (25-31 جانفي 2012) بقيادة الفنّانة سكينة مكيو ("صونيا")، واحتفت بذكرى عائشة عجوري ("كلثوم"). وتلتها الدورة الثانية (1-7 مارس 2013) تحت شعار "أوفياء لوافية" ؛ استذكارًا للراحلة وافية بلعربي. ثمّ الدورة الثالثة (2-8 مارس 2014) المهداة لروح ياسمينة دوّار، والتي شهدت لقاءات فكرية حول مسارها، وأعمال عبد القادر علولة. وجاءت الدورة الرابعة (5- 12 مارس 2015) لتجمع الرواد والصاعدين، وتحتفي بروح فتيحة بربار. وعاود المهرجان نشاطه في الدورة الخامسة (27-30 نوفمبر 2022) بعد توقّف دام سبع سنوات بقيادة ليندة سلّام، لتكريم روح المؤسِّسة "صونيا".
أمّا الدورة السادسة (30 سبتمبر - 5 أكتوبر 2023) فقد أُقيمت بشعار "المرأة والكتابة المسرحية: إبداع وتميّز" . وأُهديت لأرواح فريدة صابونجي ويمينة غسول، مع تقديم عرض "أكتب اسمي". وأخيرًا انعقدت الدورة السابعة (13-18 فيفري 2025) بشعار "المسرح النسوي: تقييم واعٍ لإبداع واعد ومستدام"، بإشراف رانيا سيروتي كمحافِظة، وليندة سلّام كمديرة فنية. وأُهديت لروح نورية قزدرلي، مع إقامة أربع ندوات دراسية.
ويتزامن صدور هذا الكتاب مع انطلاق الدورة الثامنة للمهرجان برئاسة تونس آيت علي، وتحت شعار "آفاق"؛ إذ تقدّم هذه الدورة برنامجًا واعدًا يتضمّن إطلاق منتدى النساء المبدعات، واستعراض المشاريع الثقافية المنتَجة بحضور مسؤولي القطاع والمسارح الجهوية، وتنظيم ورشات عمل في الارتجال، ومسرح الشارع، والكوريغرافيا، وفنّ الحكاية الموجَّه للأطفال، إلى جانب تقديم دورات "ماستر كلاس" تخصّصية، ركّزت على إعادة الكتابة المسرحية، وتطوير المشاريع، والإضاءة والسينوغرافيا، والتمويل والبرمجة، والترويج الفني. وبذلك يشكّل كتاب "مسرحهنّ" مرجعًا وثائقيا يحفظ الذاكرة المسرحية النسوية، ويقدّم رؤية شاملة تعزّز مكانة المرأة كعنصر فاعل ومحوري في خريطة الفنّ الركحي بالجزائر.
الجسد لغة والشارع خشبة
رؤى نقدية في تحوّلات المسرح النسوي
تخوض التجربة المسرحية النسوية في الجزائر، تحوّلاً فارقًا يضعها في أفق جمالي جديد. حيث ترى الدكتورة جميلة زقاي أنّ أشكال التعبير الحديثة - وفي مقدّمتها مسرح الشارع والفنّ الكوريغرافي - تمنح المرأة فرصة استرداد الفضاء العامّ، والتفاعل المباشر مع الجمهور دون حواجز سينوغرافية كلاسيكية. وتؤكّد زقاي أنّ خروج الفعل المسرحي إلى الشارع يحوّل الفضاء المفتوح من مجرّد مكان للعرض، إلى عنصر دراماتورجي فاعل، يشارك في صناعة المعنى. كما إنّ التعبير الكوريغرافي يمنح المرأة سلطة السرد الجسدي؛ إذ يتحوّل الجسد من مجرّد أداة مطيعة لتنفيذ إرشادات المخرج، إلى ذات صانعة للرؤية، ومتكلّمة بالحركة؛ ما يحقّق تحرّرًا جماليّا يعبّر عن الذاكرة والحرية بلغة تتجاوز حدود اللسان وضغوط النصّ الدرامي التقليدي.
في سياق متكامل، يوضّح الناقد والأكاديمي بجامعة بسكرة، محمد لمين بحري، بأسلوب بسيط ومباشر، أنّ هذه الأساليب الجديدة لا تعني إغلاق المسرح التقليدي أو الاستغناء عنه، بل هي مجرّد فتح لأبواب جديدة، تجعل المسرح أكثر حيوية وقربًا من الجمهور. ويرى المتحدّث أنّ مسرح الشارع والرقص التعبيري ينقلان التركيز من "الكلام والحوار المكتوب" إلى "الحركة والصورة البصرية المباشرة"؛ فالمرأة هنا لا تنتظر الجمهور ليعبُر بوّابة المسرح المغلقة، بل تذهب إليه في شارعه اليومي، ليصبح العرض المسرحي جزءًا من حياته، ومشاغله. وهذا التغيير البسيط في طريقة التقديم يمنح الفنّانة حرّية أكبر في التعبير، ويجعل العرض النسوي أكثر حيوية ومعاصرة دون أن يفقد المسرح أصوله، وقيمته التاريخية.
حين تعانق القصبة الركح
بهو "مجوبي" يتحوّل إلى فضاء فرجويٍّ شعبي
تجاوز المهرجان الوطني الثقافي للإنتاج المسرحي النسوي بمدينة عنابة، حدود الخشبة التقليدية ومساحات العرض المغلقة، ليتحوّل بهو المسرح الجهوي "عزّ الدين مجوبي" وساحاته المحاذية، إلى فضاء فرجوي متكامل، يمزج ببراعة، بين العرض المسرحي وأصالة التراث الشعبي الجزائري الأصيل.
وعاش الجمهور العنابي والضيوف لحظات استثنائية مع أنغام الزمن الجميل لموسيقى "القصبة" ؛ حيث أُعيدت إلى الأذهان روائع أسطورة الغناء الشاوي الفنّانة الراحلة بقّار حدّة، إلى جانب المعزوفات الخالدة للقصّاب الشهير إبراهيم بن دبّاش، في سفر فنّي دافئ ونادر نحو زمن الفنّ الجميل، والذاكرة الوطنية العريقة. ولم تكن هذه الأغاني التراثية مجرّد خلفية موسيقية عابرة لتسلية الحضور، بل شكّلت عمودًا سينوغرافيّا، وركنًا دراميّا أساسيًّا، أضفى طابعًا احتفاليّا حيّا، ومفعمًا بالطاقة على كافّة أجواء المهرجان. وتفاعل الحضور بشكل واسع ولافت للنظر؛ حيث رقص المتفرّجون والضيوف على إيقاعات القصبة والبندير الشعبية، ليتحوّل الشارع والساحة المطلّة على البهو المسرحي، إلى "مسرح مفتوح" ، يكسر الجدار الرابع بامتياز، ويُشرك الجمهور مباشرة في صلب الفعالية، والحدث الفني. ويُبرز دمج هذا الموروث الموسيقي والشعبي في مهرجان مسرحي نسوي، بوضوح، كيف يمكن المسرحَ أن يكون حارسًا أمينًا للذاكرة الوطنية؛ حيث يلتقي التعبير الجسدي والدرامي بشجن النغم القديم، ولذّة الحكاية الشعبية، لترسيخ الهوية الفنية الجزائرية، وإبراز أبعادها الإنسانية والجمالية الخالدة.
كفي تُعيد روح الجدّات إلى المسرح
تألّقت الحكواتية سهام كفي في سهرة مميّزة احتضنها بهو المسرح الجهوي "عزّ الدين مجوبي" بمدينة عنابة، ضمن فعاليات المهرجان الوطني الثقافي للإنتاج المسرحي النسوي. وقدّمت المبدعة للمشاهدين قصصًا إنسانية بسيطة تمسّ القلب، وتلامس تفاصيل الحياة اليومية للأسرة الجزائرية.
وتناول العرض مواضيع اجتماعية قريبة من واقع الناس، مثل الوفاء، والخيانة، والحبّ الصادق، معتمدة في تقديمها على الحكمة الشعبية، والمأثورات القديمة التي تحمل عبرة هادفة. ولم تكتفِ بالسرد الكلامي فقط، بل اعتمدت على التعبير المسرحي، ولغة الجسد، وحركات اليدين، والإيماءات، وتغيّرات تعابير الوجه لنقل المشاعر بدقّة؛ ما جعل الجمهور الحاضر يتابع كلّ حكاية بشغف وتفاعل كبيرين؛ وكأنّهم جزء من العرض المسرحي.
وظهرت الحكواتية وهي ترتدي الشال المزخرف الأنيق، الذي يعيد إلى الأذهان أصالة لباس الجدّات قديمًا؛ حيث أضفى هذا الزيّ التراثي لمسة من الدفء والجمال الأصيل على حضورها المسرحي، بينما كانت تتجوّل وسط الحضور وهي تسرد حكايتها بكلّ ثقة وتلقائية. ونجحت ببراعة في تحويل الفضاء إلى مسرح مفتوح ينبض بالدفء، والحيوية، مؤكّدة أهمية الفنّ المسرحي وفنّ الحكواتي في حفظ الذاكرة، والتعريف بالتراث الشعبي، وإبراز دور المرأة الإبداعي في تقديم القصّة الهادفة، التي تجمع بين المتعة والعبرة الإنسانية.