تيبازة
مساجد تيبازة تحتضن ضيوف الرحمان في رمضان
- 140
كمال لحياني
تحولت مساجد ولاية تيبازة، مع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك لهذا العام، إلى ورشات مفتوحة، يمتزج فيها عبق البخور بحيوية المتطوعين، فمن “المسجد القطب” بوسط المدينة، إلى أعالي جبال شنوة، ومن الدواودة إلى الداموس، تتسارع التحضيرات لضمان أجواء إيمانية تليق بالشهر الفضيل.
تشهد المساجد عبر 28 بلدية بالولاية، حملات تنظيف واسعة، حيث انخرط الشباب والجمعيات المحلية في عمليات غسل السجاد وتلميع الثريات وصيانة الأنظمة الصوتية، ولم يقتصر الأمر على المظهر الداخلي، بل شملت المبادرات طلاء الجدران الخارجية، وتهيئة الساحات لاستيعاب التدفق الكبير للمصلين، خاصة في صلاة التراويح، التي تُعد ذروة النشاط المسجدي.
وما إن تمر على مساجد الولاية، تظهر لك تلك الحركة الدؤوبة والتدافع، لتنظيف المساجد وتزيينها وتغيير واجهتها، في مشاهد تنبئ بقدوم خير الشهور، ففي كل مرة، تحل هذه المناسبة السعيدة على سكان الولاية، تحاول اللجان الدينية والقائمون على المساجد، تجميلها لتكون في أبهى حلة، فيتجند المتطوعون لتنظيفها وتجديد السجاد، مع تغيير الواجهة الخارجية، من خلال الطلاء الخارجي والإنارة الملونة، وتكليف بعض الشباب بعمليات تنظيم المصلين وتوجيههم بارتداء سترات صفراء، وهذا يكون على مستوى المساجد الكبرى، التي تعرف توافد الآلاف من المصلين يوميا، فضلا عن التحضير لمسابقات حفظ القرآن، وغيرها من النشاطات المسجدية الهامة.
تتزين المساجد في شهر رمضان من كل سنة، بحلة جديدة، بعد أن تعكف اللجان الدينية والمتطوعون والمحسنون على تنظيفها، وإعادة طلائها وتركيب الأضواء وتفريش سجاد جديد، وتوفير كل الظروف الملائمة لاستقبال الجموع الغفيرة من المصلين الوافدين، لأداء مختلف العبادات، على غرار صلاة التراويح، التي يقبل عليها الجزائريون بأعداد ضخمة ومن الجنسين.
يقول محمد تيكاروشين، إمام مسجد النور، إنه “يتم في كل مرة، إحصاء النقائص الموجودة داخل المسجد، ومحاولة تداركها رفقة أعضاء اللجنة الدينية، وقد تم استبدال السجاد بعد أن قام أحد المحسنين بشرائه وتركيبه، وقمنا بمراقبة أجهزة التسخين”، مؤكدا أنه “في كل مرة يتم تهيئة محيط المسجد، خاصة مداخله، وإزاحة كل ما يسيء لمكانته وقدسية”.
فرصة للظفر بالأجر والثواب
يحاول مرتادو المساجد، اغتنام فرصة قدوم شهر رمضان، للعمل على تزيين المساجد وتحويلها في أبهى حلة، وهي فرصة للظفر بالأجر والثواب، حيث تظهر هذه الممارسات، ارتباط سكان تيبازة بالمساجد، خاصة في شهر رمضان، ويحاولون في كل مناسبة، تقديم أكبر خدمة ممكنة لبيوت الله. يقول علي، موظف في إحدى الإدارات العمومية، إنه يستفيد من العطلة السنوية في شهر رمضان عمدا، للتفرغ للعبادة وخدمة بيت الله، فيما يعود سيد أحمد، وهو مغترب في فرنسا، إلى الجزائر، وقضاء شهر رمضان بين الأهل والأقارب، ويتطوع شهرا كاملا لتوفير المستلزمات الضرورية للمسجد، مع خدمة المصلين أثناء صلاة التراويح.
ولعل أبرز مثال على التجند الكامل لخدمة المساجد، وتهيئتها والتطوع في سبيل الله، ما شهده مؤخرا، المسجد الجديد ببلدية بورقيقة، الذي دشن من قبل مدير الشؤون الدينية والأوقاف، ورئيس دائرة أحمر العين، حتى يكون جاهزا لصلاة التراويح هذا العام، حيث أبرزت المشاهد التي بثت على مواقع التواصل الاجتماعي، الهبة الكبيرة للسكان والمحسنين من كل حدب وصوب، لاستكمال الأشغال وتحضير المسجد، حتى يكون في أبهى حلة. ويقول يوسف حاوية، رئيس اللجنة الدينية للمسجد، إن “الأشغال سارت بوتيرة سريعة، نظرا لكثرة التبرعات المالية والمساعدات، التي قدمت للجنة من قبل المحسنين والمقاولين والمصلين على حد سواء”.
وتعكف مديرية الشؤون الدينية، بالتنسيق مع جميع أئمة المساجد، على تحضير برنامج خاص بشهر رمضان، يتم خلاله الاتفاق مع جماعة من المحسنين وفاعلي الخير، الذين يرغبون في التصدق على الفقراء، وتوفير الإفطار للصائمين كالتمر والحليب، وتنظيم مسابقات في حفظ القرآن الكريم والحديث النبوي ومسابقات علمية وثقافية وفكرية متعددة، حول شخصيات جزائرية تاريخية، لربط جيل اليوم بتاريخه وأصالته.
وقال مصطفى قليل، إمام مسجد التحرير، إن “هناك إجراءات إدارية روتينية، يحرص الأئمة على القيام بها، كالحصول على تراخيص لصلاة التهجد، وإيجاد مقرئين يتمتعون بصوت جميل، ويجيدون القراءة وفقا للأحكام والنصوص الشرعية”، مشيرا إلى أنه أصبح من الضروري جدا، اختيار المواضيع الفقهية الرمضانية بعناية، والتجديد فيها باستمرار، مع الابتعاد عن المواضيع المعتادة والمتكررة.
كاميرات لنقل التراويح وتوثيق الحدث
لجأت العديد من اللجان الدينية على مستوى المساجد، في السنوات الأخيرة، إلى توثيق صلاة التراويح والدروس الدينية التي تقدم للمصلين، حيث ترمي هذه الطريقة، إلى استهداف أكبر شريحة من المستمعين، فيلجأ القائمون على المساجد وتأطير صلاة التراويح، إلى وضع كاميرات موجهة للمقرئ، لنقل صلاة التراويح على المباشر، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة إذا كان المعني يملك صوتا جميلا، لاستقطاب أكبر عدد من المصلين، من جهة، والتعريف بالمقرئين الجزائريين والمواهب الشابة في هذا المجال، من جهة أخرى.
ولعل ما وقع مع المقرئ عبد العزيز سحيم، في المسجد المركزي بمحافظة المسيلة، خير دليل على ذلك، حيث أصبح أشهر مقرئ في الجزائر ومحبوب الجزائريين، من خلال الفيديوهات التي كانت تنقل عبر منصات التواصل الاجتماعي. كما تبقى لقطة القطة التي قبلت الإمام وليد مهساس، واجتاحت العالم، وفاقت مليار مشاهدة عبر مختلف التطبيقات، من بين أشهر الفيديوهات التي صنعت الحدث خلال رمضان الماضي.
ارتباط اجتماعي وروحي ببيوت الله
أكد المختص في علم الاجتماع، الدكتور حليم مصطفى لـ"المساء"، أن الجزائريين، يتعلقون تعلقا كبيرا ويرتبطون ارتباطا تاريخيا واجتماعيا وثيقا بالمساجد، حيث يعتبرون المسجد مؤسسة رئيسية في التنشئة الاجتماعية، وكان له دور كبير في ترسيخ القيم والتربية الصحيحة للأفراد. كما قال، بأن “رمضان فرصة للعودة إلى بيت الطاعة والتوقف عن المعصية، وتبرز هذه الخصال الطينة الطيبة للجزائريين المتعلقين بدينهم وثقافتهم”، كما قال بأن “إقبال المواطنين على المساجد خلال شهر رمضان، يرسم صورا جميلة، بعد أن كان رمضان في نظر الكثير، يعبر عن ارتفاع الأسعار والبحث عما يملأ مائدة الإفطار كل ليلة، وتزامنه مع مناسبات اجتماعية أخرى”.