في ذكرى رحيله الثالثة

مرتاض.. إرث علمي وأدبي يستعيده رفقاء الدرب

مرتاض.. إرث علمي وأدبي يستعيده رفقاء الدرب
  • 132
ع. إ ع. إ

استعاد أكاديميون وباحثون ورفقاء درب الدكتور عبد المالك مرتاض، أول أمس الثلاثاء، المسيرة العلمية والأدبية الحافلة لهذا الاسم البارز في المشهد الثقافي الجزائري والعربي، خلال ندوة استذكارية، نظمها المجلس الإسلامي الأعلى، ضمن البرنامج الثقافي للطبعة التاسعة والعشرين من صالون الجزائر الدولي للكتاب، إحياء للذكرى الثالثة لوفاته (1935-2023). 

شكل اللقاء، مناسبة للوقوف عند محطات من حياة مرتاض وإنتاجه الفكري والنقدي، واستحضار إسهاماته في خدمة اللغة العربية والأدب والفكر، إلى جانب إبراز خصاله العلمية والإنسانية، من خلال شهادات شخصيات عرفته وعاصرت مسيرته. حضر الندوة، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، الشيخ مبروك زيد الخير، إلى جانب عدد من الشيوخ والمثقفين والباحثين ومسؤولي الهيئات الوطنية، فضلا عن أفراد من عائلة الراحل ومحبيه ورفقاء دربه، الذين أجمعوا على مكانته العلمية والأدبية، وما تركه من أثر في الحياة الثقافية والفكرية.

في كلمته الافتتاحية، وصف الشيخ مبروك زيد الخير الراحل، بأنه "قامة علمية وأدبية جزائرية مرموقة"، و«أحد أبرز أعلام الفكر والأدب واللغة في الجزائر والعالم العربي"، مشيرا إلى أنه كان "مثقفا أصيلا ومفكرا نبيلا احتفى بالعربية مبنى ومعنى"، كما كان "حارسا من حراسها ومنافحا صارما عن الهوية الوطنية". وأبرز رئيس المجلس، الذي كان مرتاض عضوا فيه، ما اتسمت به مسيرته من عطاء علمي متواصل، وما تركه من "بحوث جادة ومؤلفات رصينة" تقارب الثمانين كتابا، أكسبته مكانة متميزة لدى الأدباء والقراء والنقاد. وأوضح أن هذا التكريم يأتي إحياء للذكرى السنوية لوفاته، التي تزامنت مع تنظيم الصالون.

ومن زاوية نقدية، تناول عضو المجلس عبد القادر بوعرفة رواية الراحل "وشيء آخر"، الصادرة سنة 2018، مقدما قراءة في أبعادها الفلسفية والفكرية، وما تنطوي عليه من هواجس وأسئلة، واصفا إياها بالعمل الأدبي الرفيع، الذي يندرج ضمن نحو اثنتي عشرة رواية، أبدعها مرتاض خلال مسيرته الإبداعية. ولفت بوعرفة إلى أن الرواية تميزت بلغتها الراقية والأنيقة، وبقدرتها على الجمع بين عوالم متعددة، عكست ما تعيشه الأمتان العربية والإسلامية من مظاهر التخلف، من خلال معالجة رمزية لقضايا تتصل بجدلية العقل والخرافة، والعلاقات الإنسانية، والهوية، والعجز والتخلف، فضلا عن إشكالية المعرفة والحداثة.

وفي قراءة أخرى لجوانب من مشروعه النقدي والمعرفي، توقف عمر الزاوي، من جامعة وهران "2"، عند "المعجم الموسوعي: المفردات الأنثروبولوجية"، موضحا أن مرتاض، وإن عُرف ناقدا وروائيا موهوبا، فإن جوانب من تجربته النقدية والمعرفية، بمفهومها المعاصر، لا تحظى بالقدر الكافي من التناول. وأشار إلى أن الراحل وظف المناهج الغربية بإبداع، وجمع في أعماله بين التراث العربي الإسلامي والفكر والمناهج الغربية، في مقاربة نقدية واعية ومبتكرة. واعتبر الزاوي، أن مداخلته جاءت لتسليط الضوء على هذا الجانب من تجربة مرتاض، الذي كان، حسبه، "ملما بشكل عميق جدا بالتراث العربي ومنفتحا في الوقت نفسه على التراث الغربي"، كما أحسن توظيف المعطى الأنثروبولوجي في أعماله، من خلال تناوله موضوعات متنوعة، من بينها الملابس والأوشام والتويزة.

ولم تقتصر الندوة على القراءات الأكاديمية في مؤلفات الراحل، بل امتدت إلى شهادات إنسانية، استحضرت مسيرته وعلاقاته وإسهاماته في خدمة الثقافة واللغة العربية. وفي هذا الإطار، ثمن رئيس المجلس الأعلى للغة العربية، صالح بلعيد، مبادرة تكريم مرتاض، مبرزا فضله وسبقه في وضع أسس المجلس الأعلى للغة العربية سنة 1998، وهي مرحلة، قال إنها كانت تتطلب جهدا وصبرا ومعرفة كبيرة. واستعاد بلعيد محطات جمعته بالراحل منذ سنواته الجامعية، حين كان يقرأ مؤلفاته ويحضر ملتقياته، مشيرا إلى أنه كان يتمتع "بناصية فصيحة"، وبقدرة متميزة على استعمال اللغة العربية، كما كان يستشهد بالقرآن الكريم والحديث الشريف والشعر في حديثه، ولا يجامل، حسب شهادته، في القضايا المرتبطة بالوطن والهوية اللغوية.

من جهته، استعاد عضو مجلس الأمة والوزير الأسبق أبو جرة سلطاني ذكرياته مع مرتاض، مؤكدا أنه التقاه في محطات عديدة، وأنه كان "مثقفا متكاملا في كل شيء، في هندامه وكلامه ونقده ومحاضراته"، فضلا عن كونه واحدا من الأسماء النقدية الكبيرة في الجزائر، التي شرفت البلاد في محافل كثيرة.

أما عضو مجلس الأمة عيسى بورقبة، فتحدث عن جوانب من نشأته وبداياته، مشيرا إلى أنه كان منذ صغره حافظا للقرآن الكريم ومحبا للغة العربية ومختلف مجالات المعرفة. كما استحضر بداية علاقته به، حين كان رئيسا لتنظيم طلابي بجامعة وهران، وكان يدعوه للمشاركة في الندوات والملتقيات وإلقاء المحاضرات، مقدما في الوقت نفسه، لمحة عن منطقة مسيردة التي ولد فيها مرتاض ونشأ، وظل مرتبطا بها ولم ينقطع عنها يوما. من جانبها، أعربت ابنة الراحل، رحيق مرتاض، عن خالص شكرها للمجلس الإسلامي الأعلى ومحافظة صالون الجزائر الدولي للكتاب، على مبادرة استذكار والدها وتكريمه في الذكرى الثالثة لوفاته، وقدمت بهذه المناسبة، نصا رثائيا في حقه.