"يناير تراثنا" برواق "محمد تمام"

مختارات قبائلية وعودة لبساطة العيش وفسحة الأمل

مختارات قبائلية وعودة لبساطة العيش وفسحة الأمل
  • 382
مريم. ن مريم. ن

تقيم الفنانة حنان منصوري معرضها التشكيلي "يناير .. تراث" برواق "محمد تمام" في الجزائر العاصمة، مستلهمة جلّ أعمالها من البيئة المحلية القبائلية، الملوّنة بمناظر الطبيعة، وبزخم التراث مع الحضور اللافت للمرأة.

تقترح هذه الفنانة 17 لوحة تشكيلية معبّقة بنسائم التراث الأمازيغي الجميل، والملوّن بأطياف قوس قزح، تتناثر فيه الزهور، وتعلو قمم الجبال، وتمتدّ الحقول والمرُوج. وتسيل مياه الوديان والشلالات رقراقة، منسابة، وعذبة، ليتمنى كلّ ناظر إلى هذه اللوحات أن يخترقها، ويعبر لهذا العالم النقي والشاسع، البعيد عن ضوضاء التحضّر الزائف، والعصرنة الفجّة، ليعود لإنسانيته، ولبساطة العيش، ولفسحة الأمل الجميل. ويتجوّل الداخلُ إلى المعرض هنا وهناك، مستغرقا في هذه الأعمال البهية المرصّعة ببهجة الحياة والطبيعة. وقد يتمعّن الواحد من هؤلاء في لوحة ليطوف على الباقيات، ثم يعود مجدّدا في جولة ثانية عبر المعرض، ليعيد اكتشاف ما فاته.

التين والزيتون وخيرات أخرى

تضمّنت الكثير من لوحات الفنانة حنان منصوري، البيئة الفلاحية في قرى ومداشر منطقة القبائل؛ من ذلك موسم جني الزيتون. هذه الثمرة المباركة التي احتوتها الكثير من اللوحات سواء في صورتها الفلاحية الطبيعية، أو من خلال العادات الاجتماعية التي ترافق مواسم جني المحصول. وغالبا ما ربطت الفنانة بين هذا الموسم الفلاحي وبين المرأة القبائلية التي تتكفل بالجني والجمع، ثم العصر، مرتدية في كلّ ذلك زيها التقليدي الأصيل؛ وكأنّها ترفض أن ترتدي سواه وهي تمارس “شغلها” في الأرض، والذي مارسته قبلها الجدات.

الغلال والثمار لا تقتصر على الزيتون وحده ولو أنّه هو الغالب، بل هناك أيضا بساتين الحمضيات. وقد أبدعت الفنانة في رسم امرأة متوغّلة بين أشجار الليمون الزهية، وهي تقطف الحبات من علو. ويبدو في هذه اللوحة الاختيار البارع للألوان التي كان سيّدها الأصفر، وقد تداخل بين لون الليمون ولون جبة المرأة الشابة، ناهيك عن الاخضرار الممتدّ في كلّ مكان نتيجة كثافة الأشجار المثمرة.

ارتباط القبائلية بالطبيعة يتجلى، أيضا، في ارتباطها بالجداول، وينابيع الماء لسقاية عائلتها، والقيام على شؤون العائلة. وعبّرت الفنانة عن ذلك من خلال بعض النسوة اللواتي يحملن الجرار من دون تعب أو ضجر رغم الحمولة الثقيلة؛ ما يعكس قوة المرأة، وتفانيها في العمل. وواصلت الفنانة سرد حكايتها مع المرأة القبائلية من خلال الزيّ التقليدي، لذلك خصّصت عدّة لوحات للجبة القبائلية المعروفة بألوانها الزاهية، وزركشتها الملوّنة مع كلّ أكسسواراتها؛ أي الحلي الفضية التي لا يُعلى عليها؛ إذ لا جبة دون فضة، والعكس صحيح، ناهيك عن أغطية الرأس؛ من ذلك الحايك القصير الذي تلفّه بعض النساء منهن المسنات.

وعلى ذكر الحلي، رسمت الفنانة الكثير منها، علما أنّها خصّصت لكلّ قطعة لوحة. وكذلك الحال مع الريف؛ إذ صوّرت البيوت البسيطة وهي مرتمية في أحضان المروج والاخضرار. وكذلك الأنهار والجبال والدروب والغابات وغيرها. وخصّصت لوحة سمّتها "هضاب قبائلية" ربما استمدتها من التراث الأدبي لكتّاب المنطقة؛ منهم، مثلا، معمري وغيره.

وغير بعيد استعرضت الأواني المزركشة، المصنوعة بأيدي النسوة من الطين الصلصال، وعليها نقوش ورموز متنوّعة، بعضها أوان، وبعضها زينة؛ مثل المزهريات وغيرها. كما خصّصت الفنانة جناحا من المعرض للوحات من الحجم الصغير بدت متتالية. في كلّ واحدة ثمرة من الثمار، وهي التين الشوكي، ثم الزيتون، فالتين، وهي ثمار عُرفت بها المنطقة، وذات استهلاك واسع. للإشارة، خصّصت الفنانة، أيضا، بعض اللوحات للصحراء الجزائرية؛ منها لوحة تصوّر رحلة قافلة عبر الكثبان.