وقفة تأمل في إرث رجل لم يعترف بالحدود الجغرافية
مئوية "العالمي" تجمع ضفتي المتوسط بعبق التاريخ
- 149
سميرة عوام
التقت الذاكرة السينمائية المشتركة بين الجزائر ومصر في أبهى صورها، داخل قاعة الملتقيات بفندق “سيبوس الدولي” في مدينة عنابة، حيث احتضنت فعاليات الدورة السادسة لمهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، ندوة فكرية وتاريخية مهمة، احتفاءً بالذكرى المئوية لميلاد المخرج العالمي يوسف شاهين.
لم تكن هذه الجلسة مجرد استرجاع لمسيرة مهنية حافلة، بل كانت وقفة تأمل في إرث رجل، لم يعترف بالحدود الجغرافية، بل آمن بأن الكاميرا هي الجسر الوحيد القادر على ربط الشعوب التائقة للحرية، لتتحول الندوة إلى تظاهرة حب واعتراف بجميل "جو"، الذي سكنت الجزائر وجدانه وفنه.
عرفت الندوة، التي أدارها الأديب والكاتب إدريس بوذيبة، مداخلات عميقة ومؤثرة، من عدد من الفنانين المصريين الذين رافقوا شاهين في رحلته الإبداعية الطويلة. استهلت الفنانة القديرة سهير المرشدي حديثها، بنبرة تفيض بالامتنان والعرفان، مؤكدة بكلمات صادقة، أن يوسف شاهين هو “الأب الروحي” الذي اكتشف موهبتها من العدم، وبفضله بات اسمها اليوم، علامة فارقة في السينما العربية. وأضافت أن العمل معه لم يكن مجرد تمثيل، بل كان دورة مكثفة في فلسفة الوجود، حيث كان يغرس في الممثل الثقة، ويحثه على التمرد على القوالب الجاهزة، مشيرة إلى أن ظهوره في حياتها، كان “المعجزة” التي شكلت وعيها الفني والإنساني.
من جانبه، قدم المخرج خالد يوسف قراءة في الرؤية السينمائية المجددة لأستاذه، موضحًا أن شاهين كان ظاهرة فريدة لا تتكرر، إذ مزج بعبقرية نادرة بين السينما الذاتية والملحمة الشعبية، وبين الواقعية المفرطة والتجريب الطليعي. وأكد أن علاقة شاهين بالجزائر كانت عميقة، بدأت مبكرًا، من خلال فيلمه الخالد عن الأيقونة جميلة بوحيرد سنة 1958، وهو العمل الذي أحدث صدى دوليًا واسعًا، وساهم في تدويل القضية الجزائرية في المحافل العالمية، في وقت كان فيه الرصاص يتكلم على الجبال.
وشدد على أن شاهين فتح الباب أمام جيل من المخرجين الشباب، للتعامل مع الفن كوسيلة لاستنهاض الوعي، لا مجرد أداة ترفيه. في السياق نفسه، استرجع الفنان سيف عبد الرحمن ذكرياته مع فيلم "عودة الابن الضال"، الذي احتفى المهرجان بمرور خمسين عامًا على إنتاجه، واصفًا التجربة بأنها ملحمة عن الانكسارات والآمال العربية.
وأشار إلى أن شاهين، كان يمتلك بصيرة مكنته من استشراف التحولات السياسية، كما كان يرى في الإنتاج المشترك مع الجزائر، مثل "العصفور" و"عودة الإبن الضال”، تجسيدًا لوحدة المصير العربي، حيث مثلت الجزائر بالنسبة له، فضاءً للحرية والإبداع، بعيدًا عن القيود. ولم تكتمل لوحة الوفاء إلا بالشهادات الجزائرية، التي أضفت بعدًا تاريخيًا موثقًا على الندوة، حيث قدم الناقد السينمائي أحمد بجاوي، تفاصيل مهمة عن علاقة شاهين بالجزائر رسميًا وشعبيًا. وأوضح أن الرئيس الراحل هواري بومدين، كان يقدر فكره ويدعمه لإنجاز أعماله، معتبرًا إياه صوتًا للثورة الجزائرية، وهو ما جعل الجمهور الجزائري يتبناه كواحد من أبنائه.
في الجانب الإنساني، استعرض مهندس الصوت الجزائري كمال مكسر تجربته مع شاهين، واصفًا إياه بـ«العبقري المتواضع”، الذي يسعى إلى الكمال في العمل، ويقدر الكفاءات التقنية، ويعامل الجميع بروح إنسانية بسيطة، رغم مكانته العالمية. واختُتمت الندوة، بإجماع الحاضرين على أن مئوية يوسف شاهين رسالة للأجيال الصاعدة، بأن السينما ذاكرة لا تشيخ، وأن قضايا الإنسان ستظل جوهر الفن الصادق، وأن شاهين سيبقى حاضرًا ما دامت هناك كاميرا تبحث عن الحقيقة.
من عبد الحليم حافظ إلى فيروز
بونة تغني للذاكرة السينمائية
توافدت قامات فنية وجمهور غفير من مختلف ضفاف البحر الأبيض المتوسط، ليلة أول أمس، إلى المسرح الجهوي "عز الدين مجوبي" بمدينة عنابة، في احتفالية استثنائية، لم تكن مجرد عرض غنائي عابر، بل كانت رحلة وجدانية عميقة عبر الزمن، لاستحضار ذاكرة السينما العربية في أبهى صورها. الحفل الذي حمل شعار “أغاني أفلام الزمن الجميل”، جاء في سياق احتفائي مزدوج ومميز؛ إذ يحيي الذكرى المئوية لميلاد المخرج العالمي يوسف شاهين، ويحتفي بجمهورية مصر العربية، كضيفة شرف لهذه الطبعة، في تلاقٍ ثقافي وتاريخي، يعكس عمق الروابط الفنية المتجذرة بين الجزائر ومصر، وبين كافة شعوب المنطقة المتوسطية.
لقد تحولت خشبة المسرح العريق إلى لوحة فنية نابضة بالحياة والحنين، حيث تداخلت الألحان العذبة مع لقطات سينمائية خالدة، عُرضت في خلفية الركح، لتعيد إلى الأذهان العصر الذهبي، الذي كانت فيه الأغنية العمود الفقري للعمل السينمائي، والناطق الرسمي باسم مشاعر أبطاله. وقد ركز البرنامج الفني لهذه الليلة على تقديم روائع غنائية، شكلت وجدان الأجيال المتعاقبة، مؤكدة أن السينما لم تكن يوماً مجرد صورة متحركة، بل كانت صوتاً شجياً يسكن الذاكرة الجماعية، ولا يمحوه مرور الزمن.
وخلال السهرة التي امتدت لساعات من الطرب الأصيل، استعرض الفنانون المشاركون قائمة طويلة من الأعمال، التي ارتبطت بأفلام أيقونية لا تزال تُعرض حتى اليوم، بكامل بريقها وتأثيرها. ومن أبرز الأسماء التي حضرت روحها بقوة، نجد "العندليب الأسمر" عبد الحليم حافظ، الذي لم تكن أفلامه مجرد قصص عاطفية، بل منصة لروائع موسيقية خالدة، مثل "جبار" و"في يوم من الأيام" و"قارئة الفنجان".
كما تألقت روح "أميرة الطرب" وردة الجزائرية، التي سحرت السينما المصرية والعربية بجمال صوتها وحضورها الطاغي، وقدمت أغانٍ لا تُنسى في أفلام، مثل "ألمظ وعبده الحامولي" و"حكايتي مع الزمان" و"صوت الحب"، فكانت جسراً فنياً متيناً بين المشرق والمغرب. ولم يغب طيف "جارة القمر" فيروز، التي حملت سينما الأخوين رحباني إلى آفاق عالمية، من خلال أعمال، مثل "بياع الخواتم" و"سفر برلك" و"بنت الحارس".
ولم يكن اختيار يوسف شاهين عنواناً لهذه الاحتفالية محض صدفة، فقد كان من أكثر المبدعين إدراكاً للقيمة التعبيرية للموسيقى في السينما، حيث وظفها لتعميق الدلالات الإنسانية. وأثبت المسرح الجهوي "“عز الدين مجوبي" مرة أخرى، أنه منارة ثقافية قادرة على جمع المبدعين، حيث منح الحضور المتوسطي للحفل طابعاً إنسانياً، امتزجت فيه المقامات العربية بالإيقاعات المعاصرة. الجمهور العنابي بدوره، كان حاضرا بقوة، وخرج وهو يحمل أصداء زمنٍ كان فيه الفن يُبنى على الإحساس الصادق والكلمة الراقية واللحن الخالد، مؤكدا أن “أغاني أفلام الزمن الجميل” ليست مجرد حنين، بل مرجع للإبداع الحقيقي.
من الكاميرا إلى الإبداع
ورشة "سيبوس" تصنع جيلاً سينمائياً جديدا
احتضنت قاعات فندق “سيبوس” بمدينة عنابة، أول أمس، فعاليات الورشة التكوينية المتخصصة في فنون التصوير والصوت والإضاءة، والتي نُظمت على هامش مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي. وتهدف هذه المبادرة، إلى تمكين المواهب الشابة من اكتساب مهارات ميدانية دقيقة، وكيفية إدارة المشهد والتعامل مع التقنيات الحديثة، التي تتطلبها الإنتاجات السينمائية المعاصرة.
عرفت الورشة تركيزاً مكثفاً على أساسيات الإضاءة الدرامية، وكيفية توزيعها لخلق أجواء بصرية تخدم النص، إلى جانب دروس تطبيقية في زوايا التصوير وحركات الكاميرا. كما تلقى المتربصون شروحات حول هندسة الصوت، وأهمية التسجيل النقي، ما سمح لهم بتجريب المعدات المتطورة بشكل مباشر داخل أروقة الفندق. وركز المؤطر خلال الحصص، على ضرورة سد الفجوة بين الهواية والاحتراف، لتزويد الساحة الثقافية بجيل تقني متمكن. وقد لقيت الورشة استجابة واسعة وتفاعلاً إيجابيا من طرف المتدربين، الذين ثمنوا فرصة الاحتكاك بخبراء الميدان في بيئة تعليمية محفزة.
تصفيق مستحق
لحظات اعتراف بمسارات صنعت تاريخ الشاشة
شهدت منصة مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، في دورته السادسة، لحظات وفاء استثنائية، حيث أشرف محافظ المهرجان محمد علال، على مراسم تكريم نخبة من الوجوه السينمائية، التي أثرت المشهد الفني العربي والدولي. وتأتي هذه الالتفاتة، تقديراً لمسيرات حافلة بالعطاء، وتأكيداً على دور المهرجان كجسر تواصل بين الأجيال، وقبلة للمبدعين من ضفتي المتوسط.
تصدر المشهد التكريمي الفنان والسيناريست التونسي يونس الفارحي، الذي بصم اسمه في ذاكرة المشاهد، خاصة من خلال شخصية "ببوشة" في "نسيبتي العزيزة"، إلى جانب أعمال مثل "دار الوزير" و"حسابات وعقابات" و"قمرة سيدي المحروس" و"الزعيمان" و"عاشق السراب". كما حظي المخرج الكبير أحمد راشدي بتكريم خاص، حيث عبر عن سعادته بهذا الاحتفاء، الذي سيبقى راسخاً في الذاكرة، مؤكداً أن المهرجان يسير بثبات نحو العالمية.
وفي سياق الوفاء لأبناء المنطقة، تم تكريم محمد العيد قابوش تقديراً لمساهماته الفنية. وشمل التكريم أيضاً الممثل المصري محمد لطفي، الذي استرجع بداياته السينمائية مع المخرج خالد شارة، مستذكراً كلمات النجم الراحل أحمد زكي الذي تنبأ له بمستقبل واعد. واختُتمت هذه الاحتفالية، بالتأكيد على أن تكريم هذه القامات، هو رسالة تقدير لكل من ساهم في صناعة الفن وتوثيق أعماله، حتى تبقى خالدة في خدمة الفن الراقي.
ورشة التمثيل
حين تتحول الموهبة إلى احتراف
عرفت ورشة التمثيل، التي نُظمت على هامش فعاليات مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، نجاحاً لافتاً حولها إلى مساحة حرة للتعبير والتعلم، وتبادل الخبرات بين المحترفين والهواة. وتحت إشراف الممثل والمخرج فتحي كافي، استطاعت هذه الورشة أن تتحول إلى فضاء إبداعي حقيقي، يهدف إلى اكتشاف طاقات جديدة في عالم السينما، وتزويدها بالأدوات التقنية والجمالية اللازمة، لخوض غمار التمثيل باحترافية وعمق.
لقد ركزت الورشة في جوهرها، على تمكين الشباب من أدوات الأداء الدرامي، من خلال تمارين الارتجال، والتحكم في تعبيرات الجسد، وتطويع الصوت لخدمة الشخصية الدرامية. ولم تكن هذه الحصص مجرد دروس أكاديمية جافة، بل كانت محطة لإطلاق الخيال السينمائي لدى المشاركين، حيث برزت مواهب واعدة تمتلك كاريزما وحضوراً لافتاً أمام الكاميرا، ما يبشر بميلاد جيل جديد من الممثلين القادرين على ضخ دماء جديدة في عروق السينما المتوسطية. نجاح هذه الورشة، يؤكد أن الاستثمار في التكوين هو الطريق الأقصر لبناء صناعة سينمائية قوية، تبدأ من اكتشاف الموهبة، وتنتهي بصقلها وتوجيهها تحت سماء مدينة “بونة” المبدعة.
سينماتيك عنابة
3 رؤى قصيرة تكشف عمق الإنسان
تابع جمهور مدينة عنابة، أول أمس، بقاعة العروض “سينماتيك”، ثلاثة أفلام قصيرة متميزة، شاركت ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان عنابة للفيلم المتوسطي. وقد شهدت القاعة إقبالاً لافتاً من عشاق الفن السابع، الذين استمتعوا برؤى سينمائية شابة، نجحت في تكثيف الواقع الإنساني بأساليب إخراجية مبتكرة، أثارت نقاشات نقدية ثرية، حول مستقبل السينما في المنطقة.
"سأخبرك بشيء ما".. ثقل الحقيقة
يستعرض الفيلم التركي "سأخبرك بشيء ما"، من إخراج سنان كيسكين، وبطولة رجب تشافدار وسردار أورتشين، والذي أُنتج سنة 2023، صراعاً نفسياً عميقاً يدور حول أمانة الكلمة ومرارة المكاشفة بين الأصدقاء. تبدأ الأحداث بلقاء يُغلفه التوتر، حيث يحاول البطل التحرر من عبء سر قديم، يهدد استقرار حياته المهنية والشخصية.
برع المخرج في استخدام اللقطات القريبة جداً، لرصد أدق تفاصيل القلق على وجوه الممثلين، ما جعل المشاهد يشعر بالاختناق الدرامي داخل فضاء المكان الضيق. يطرح العمل تساؤلاً جوهرياً حول ثمن الصدق، وما إذا كان الاعتراف المتأخر كافياً لتطهير الروح، وقد نجح الممثل رجب تشافدار في إيصال هذا التخبط ببراعة، ما جعل الفيلم ينتزع إعجاب الحضور، بإيقاعه الذي ينفجر في مواجهة حتمية.
"صمت الراعي".. ترنيمة الأرض
ينقلنا فيلم "صمت الراعي"، من إخراج مروان المقهور وبطولة محمد بن يوسف وعلي الشول، والذي أُنتج سنة 2024، إلى أعماق العزلة، حيث تلتحم حياة الإنسان بملامح الطبيعة الصامتة والقاسية. يصور الفيلم يوميات راعٍ، يجد نفسه شاهداً على تحولات اجتماعية وبيئية، تهدد نمط عيشه الأصيل، فيحاول التشبث بما تبقى من ذكرياته، وسط هذا الزحف الصامت. اعتمد العمل على جمالية الصورة السينمائية، وشريط صوتي حيوي حل بديلاً عن الحوار المطول، ما خلق حالة من التوحد بين المتلقي ومعاناة البطل. جسد الممثل محمد بن يوسف ببراعة فائقة، شخصية الراعي، محولاً الصمت إلى لغة بليغة تعبر عن التمسك بالجذور، ليكون الفيلم صرخة هادئة في وجه النسيان وضياع الهوية، والتقاليد التي ميزت السينما الليبية المشاركة.
"المعجزة الأخيرة".. بارقة الأمل
يمزج الفيلم الجزائري “المعجزة الأخيرة”، من إخراج عبد الوهاب بن حداد، وبطولة سمير الحكيم وليلى بن منصور، والذي أُنتج سنة 2024، بين الواقعية الملموسة واللمحات الفانتازية، ليقدم قصة إنسانية تدور حول البحث عن الخلاص في زمن الشدة. تبدأ القصة، بتتبع رحلة رجل يائس يواجه سلسلة من الإنكسارات، قبل أن تظهر في حياته إشارة غير متوقعة تغير مجرى تفكيره وإيمانه بالقدر. وظف المخرج إضاءة سينمائية مدروسة تنقلت بين العتمة والضوء لتعكس التحول النفسي الذي يعيشه البطل ببراعة. منح أداء الممثل سمير الحكيم العمل صدقا كبيرا، حيث تماهى الجمهور مع لحظات الضعف والقوة التي مر بها، ليؤكد الفيلم في نهايته، أن المعجزات الحقيقية تبدأ دوماً من داخل الروح البشرية وقدرتها على الصمود.
"ظلال الرحالة"… حين يتحول المنفى إلى سؤال وجودي
شهدت قاعة العروض بالمسرح الجهوي "عز الدين مجوبي"، أول أمس، توافداً قوياً واستثنائياً من الجمهور العنابي، لمتابعة الفيلم الطويل "ظلال الرحالة" (Nomad Shadow)، ضمن المسابقة الرسمية للطبعة السادسة لمهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، وهو من إخراج المبدعة إيمي إيمانيشي، وبطولة الممثلة المتألقة نظيرة محمد، وقد أُنتج سنة 2024، ليقدم رؤية بصرية معاصرة وصادقة لقضايا إنسانية شائكة.
تحكي قصة الفيلم، رحلة بحث مضنية عن الذات، وسط تقاطعات الهوية والمنفى، حيث تسلط المخرجة الضوء على حياة شابة تعيش تمزقاً وجدانياً بين ذاكرتها المرتبطة بجذورها الأصلية، وبين واقعها في بلاد المغترب الباردة. تتصاعد الأحداث في قالب درامي شاعري، يمزج بين سكون الفضاءات المفتوحة وضجيج المدن الكبرى، ما يضع البطلة في مواجهة مباشرة مع أسئلة الانتماء والوطن الضائع. وقد نجحت الممثلة نظيرة محمد في تجسيد هذا الصراع النفسي بأداء احترافي وحساس، مستخدمة صمتا بليغا وتعبيرات وجه عميقة، لتعويض شح الحوار، ما أضفى مسحة جمالية خاصة على الفيلم، جعلت المشاهد يتماهى مع كل لحظة ألم وأمل.
عكس التفاعل الجماهيري الواسع بمسرح "عز الدين مجوبي" تعطش سكان مدينة بونة للسينما الجادة، حيث ساد انضباط كبير طوال العرض، تلاه نقاش نقدي ثري، كشف عن تأثر المشاهدين العميق برسالة العمل. وأكد الحاضرون أن الفيلم لامس أوتاراً حساسة، تتعلق بالهجرة والحنين إلى الأرض، وهي تيمات تتقاسمها شعوب حوض المتوسط. وبفضل جودة الإخراج وتكامل العناصر التقنية من إضاءة وموسيقى تصويرية، يبرز “ظلال الرحالة” كأحد أقوى المنافسين على جوائز المهرجان، معززاً مكانة السينما التي تغوص في أعماق النفس البشرية، وتتجاوز الحدود الجغرافية، لتروي حكاية الإنسان وتطلعه الدائم نحو الاستقرار في عالم مضطرب.
هاتف من العالم الآخر
"آخر المعجزات" يربك الواقع ويأسر الجمهور
تجلت عبقرية السينما المصرية في أبهى صورها فوق خشبة مسرح "عز الدين مجوبي" العريقة، حين عانق فيلم “آخر المعجزات”، وعي الجمهور في مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي 2026. انطلق المخرج عبد الوهاب شوقي في مغامرته الفنية هذه، مستنداً إلى إرث أدبي ثقيل، صاغه العميد نجيب محفوظ، ليحول الكلمة المكتوبة إلى صورة بصرية تنبض بالحياة، أُنتجت بين عامي 2024 و2025، لتكون شاهدة على تجدد السينما العربية.
يروي الفيلم قصة "يحيى"، الصحفي الذي يغرق في دوامة من الروتين واليأس، حتى تقلب حياته مكالمة هاتفية "مستحيلة" من شخص فارق الحياة، لتبدأ رحلة البحث عن الخلاص وسط أزقة القاهرة المليئة بالأسرار. أبدع الفنان عابد عناني في تجسيد هذا الصراع النفسي، حيث قدم أداءً صامتاً في أغلب الأحيان، معتمداً على لغة العيون لنقل دهشة الإنسان أمام ما لا يُفسَّر. وبجانبه، منح الفنان القدير أحمد صيام العمل وقاراً درامياً، محولاً مشاهد المواجهة إلى لحظات تأملية عميقة في معنى الحياة والموت.
سحر الفيلم عيون المتابعين الذين ملأوا القاعة، ليس فقط بسبب قصته الغرائبية، بل بفضل الرؤية الإخراجية التي مزجت بين الواقعية السحرية والإضاءة التعبيرية، التي جعلت من المدينة بطلاً يشارك في الأحداث. واستقبل الجمهور الجزائري الذواق هذا العمل بحفاوة بالغة، حيث اعتبره النقاد "المعجزة الفنية" للمهرجان، لقدرته على تقديم تساؤلات وجودية عميقة في قالب سينمائي مشوق. لقد أثبت "آخر المعجزات" أن السينما الحقيقية هي تلك التي تبدأ فعلياً عند شارة النهاية، تاركةً خلفها تساؤلات لا تنتهي في مخيلة المشاهد، ومؤكدة أن الإبداع لا يحده زمان أو مكان، حين يمتزج الأدب الرفيع بالرؤية السينمائية الجريئة.