الدكتور واعلي يحاضر عن صون الهوية:
للمثقف المسؤولية الأكبر في بناء المناعة الوطنية
- 153
لطيفة داريب
ذكر الدكتور إبراهيم واعلي، في المحاضرة التي ألقاها، أول أمس، بقصر حسين داي، والموسومة بمسؤولية الأجيال في صون الهوية الوطنية، العناصر التي تساهم في بناء المناعة الوطنية، وهي المثقف والأسرة والمسجد ووسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، من خلال أدائها لدور حضاري إيجابي بمحتوى أخلاقي تربوي، من جهة، وعلمي وتقني من جهة أخرى.
أكد الدكتور واعلي، في المحاضرة التي قدمها بمناسبة شهر التراث، من تنظيم مديرية النشاطات الثقافية لولاية الجزائر، ضرورة التزام المواطن ببناء وطنه من دون شروط، أي أنه لا يجب أن يشترط على بلده مالا أو مكانة اجتماعية وغيرها، لكي يحبه ويدافع عنه. واعتبر أن بناء مناعة وطنية لأجيالنا مسؤولية العديد من الأطراف، والبداية بالمثقف الذي لا يجب أن يكون منسلخا عن مشاكل مجتمعه، بل عليه أن يكون مثقفا عضويا، تقع عليه حماية البلد ثقافيا وحضاريا وهوياتيا، خاصة وأننا نعيش في زمن الصراعات والاهتزازات الأمنية والتوترات الدولية.
وتابع المحاضر، أنه على المثقف أن يعمل على توحيد الأمة، وأن يركز على المواضيع التي تجمع بين أفراد المجتمع الواحد، مثل التراث والحضارة والدين، وأن ينفر من كل ما يفرق بينهم، فلا يجب أن يسلط الضوء على الثغرات والصراعات التي عرفتها الأمة الإسلامية منذ مئات السنين، ومن ثم إسقاطها على زمننا هذا، وإحداث النعرات في المجتمعات وتشتيت الأذهان وتوجيه الأجيال إلى هذه المواضيع الهامشية، بدل الاهتمام بكل ما هو أساسي، والذي يجمع بين كل أبناء المجتمع.
وقدم واعلي مثالا بظاهرة الهجرة غير الشرعية، التي لم يتناولها المثقفون من جانبها الفكري، أي أنهم لم يحاولوا فهم أفكار من قرروا بناء مستقبلهم خارج البلد، في وقت يواصل أبناء غزة الجريحة الصمود، رافضين الهجرة، رغم كل شيء. وأضاف أن المثقف الذي ينتقد سياسة الاستيراد التي تتخذها الدولة، هو نفسه الذي يستورد أفكار الغير ويحاول تطبيقها من دون تهذيب، بينما المثقف الحقيقي هو الذي يلتزم بقضايا مجتمعه كافة، خاصة تلك التي تخص الجيل الجديد، الذي يحاول الغير حشو أفكاره بأفكار سلبية وأخرى غريبة، لذا أكد من جديد، مسؤولية المثقف في تحصين المجتمع وتشكيل اللحمة الوطنية، من خلال تسليط الضوء على القواسم المشتركة بين أبناء المجتمع الواحد.
وانتقل المحاضر إلى العنصر الثاني في تأدية هذه المهمة، والمتمثل في المسجد الذي قال، إنه ليس مكان عبادة وحسب، بل هو فضاء علمي أيضا، داعيا في السياق نفسه، إلى عدم منح المنبر للجاهل والمتعصب، باعتبار أن الخطاب المسجدي يجب أن يكون جامعا وموحدا وصوتا للوحدة المذهبية للمجتمع. وتابع مجددا، أن الجزائر لم تشهد الإرهاب وحافظت على الهوية الوطنية، حينما كانت تتبع مذهبا واحدا معتدلا ومنزها من كل تطرف، لكن بفعل تدخل عناصر فكرية أجنبية، تشتت المجتمع في فترة ما، مؤكدا أن أطرافا تقع في دول مختلفة، تحاول زعزعة وحدة الأمة الإسلامية، من خلال إحداث الانقسامات بين السنة والشيعة، رغم أن الفروقات بينهما ضئيلة.
العنصر الثالث في معادلة تحصين الهوية الوطنية، حسب المحاضر، هي وسائل الإعلام وكذا وسائط التواصل الاجتماعي، خاصة في الظرف الذي نعيشه، حيث أصبح للإعلام سلطة حقيقية تنفذ إلى عقول الناس وتصنع منهم ما تريد، خاصة بالنسبة للصغار الذين أصبحوا مدمنين على الأنترنت، ومن دون مناعة وغربال يغربل الأفكار، ويمنع السيء منها من ولوج عقولهم، لهذا طالب واعلي من الأسرة بمراقبة ما يشاهده الأطفال على النت، الذي لا يضم الذباب الالكتروني وحسب، بل يشمل أيضا نحلا، أي أمورا إيجابية وتقنيات على الطفل تعلمها، لكن تحت أعين الأسرة. وأشار المتحدث، إلى مسؤولية الدولة فيما يبثه إعلامها، مطالبا إياها بتقديم برامج مفيدة، ومنح فرصة الظهور للجادين والمبدعين، وعدم إبراز التافهين وكذا حماية المجتمع من الأفكار الدخيلة والهدامة، التي قد تسرق مجتمعنا من دون وعي منا.
العنصر الأخير الذي تحدث عنه واعلي في محاضرته، هو الأسرة، وتحديدا الأم، فذكر أنه في سنوات العشرين الأخيرة، أصبح التركيز على المرأة، ليس كعنصر حضاري حاسم في بناء المجتمع، بل كأنثى، شأنها شأن أي أنثى من المخلوقات، وبالتالي حصرها في أدوار تقليدية، كالطبخ، وجعلها مضادة للذكر وفي صراع معه، وإقصاء دورها الحضاري والتربوي الكبير، وحتى الاجتماعي منه، ما قد يساهم في هدم الأسرة. وطالب المحاضر بضرورة تعاضد المثقف والأسرة والإعلام والمسجد، لبناء مناعة وطنية للأجيال، مع إعطاء صدارة هذه المسؤولية للمثقف، مضيفا أن كل هذه العناصر، يجب أن تؤدي دورا حضاريا وإيجابيا بمحتوى أخلاقي تربوي وعلمي تقني أيضا.