الكاتبة والصحفية الفرنسية فلورنس بوجي لـ " المساء ":
لا يمكن طيُّ صفحة التاريخ قبل كتابته وقراءته بوعي
- 143
حاورتها: لطيفة داريب
* كسرتُ تابو التعذيب والاغتصاب. وزدنا إلقاء الضوء على ظاهرة اغتصاب الرجال التي كانت أوسع نطاقا، وأكثر هولا.
* لجزائريون لم يطالبوا يوما بالاعتذار أو " التوبة "، بل يطالبون فرنسا بمواجهة ماضيها، والاعتراف بما حدث.
* صدمتا الاختفاء القسري والاغتصاب تنتقلان عبر الأجيال.
* التعويل على الأرشيف الرسمي لن يكشف الحقيقة كاملة. والشهادات الشفهية واليوميات الخاصة هي مصدري الأعمق.
في إطار فعاليات معرض الجزائر الدولي للكتاب التقت " المساء " الكاتبةَ والصحفية الفرنسية فلورنس بوجي، خلال جلسة بيع بالتوقيع طبعتها الجديدة من كتابها " الجزائر: حرب بلا مجد " الصادرة عن دار " البرزخ ". وأجرت معها هذا الحوار الصريح حول ملفات الذاكرة، وتابوهات التعذيب، وضرورة مواجهة فرنسا لماضيها بعيدا عن سياسة الإنكار.
❊❊حدثينا عن كتابك " الجزائر: حرب بلا مجد " .
❊كتبت هذا الكتاب للمرة الأولى عام 2005؛ أي منذ وقت طويل. والمأساة الحقيقية، إن جاز التعبير، والتي تعكس بوضوح طبيعة العلاقات الجزائرية الفرنسية، هي أن هذا الكتاب لم يَفقد راهنيته قط؛ فمازالت حالة التوتر وانعدام الفهم المتبادَل، قائمة بين الجزائر وفرنسا. ولهذا السبب أُعيدت طباعته في فرنسا عام 2025 عن دار " لوباساجي كلوندستان " . وحقق نجاحا لافتا، يعكس بدء تخلّي فرنسا عن سياسة الإنكار، واهتمامها الفعلي بالقضية. ثم صدرت طبعة جديدة عام 2026 عن دار البرزخ، قمت بتحديثها، وهي بذلك نسخة موسّعة، تضم مستجدات، وكشفا عن حقائق جديدة.
❊❊ما موضوع الكتاب تحديدا؟
❊ يتناول الكتاب جرائم التعذيب التي ارتكبها الجيش الفرنسي خلال حرب الاستقلال الجزائرية. ولا يقدم قراءة تاريخية شاملة منذ عام 1830 وإن كان يشير إلى ذلك؛ إذ لا بد من التذكير بأن ممارسات الجيش الاستعماري انطلقت عام 1830 وليس عام 1954. لكنه يسلط الضوء على قضايا كانت تُعد من المحرمات (التابوهات)، وفي مقدمتها جرائم الاغتصاب سواء في حق النساء أو الرجال. والواقع أن ظاهرة اغتصاب الرجال كانت أوسع نطاقا، وأكثر هولا من اغتصاب النساء!. لقد كان هذا الموضوع محظورا تماما في الجزائر، بل وفي فرنسا أيضا نظرا لثقل الشعور بالعار إزاء فظاعة السلوكيات التي ارتُكبت.
❊❊كيف كانت رحلتك البحثية في إعداد هذا الكتاب؟ وعلامَ اعتمدتِ في جمع المعلومات، والتحقّق منها؟
❊كنت صحفية في صحيفة " لوموند " مكلفة بتغطية شؤون بلدان المغرب العربي. التحقت بالصحيفة عام 2000. ولاحظت منذ ذلك الحين أنه في كل مرة أزور فيها الجزائر، كان الحديث يدور حتما، حول " حرب الجزائر ". وكنت أستفسر الجزائريين عما إذا كانوا يقصدون الحرب الأولى؛ أي حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، أم العشرية السوداء، فكان الجواب دائما ينصرف إلى الحرب الأولى. كان الماضي حاضرا باستمرار. وأدركت حينها أن هذه الصفحة لم تُطوَ بعد.
وما لفت انتباهي أكثر عدم وجود أيّ مشاعر كراهية، بل على العكس، كانت هناك مودة خالصة تخلو من أي ضغينة يقابلها عدم فهمي لهذا الأمر. هنا أدركت أنني أجهل الكثير، ولم أكن قرأت بعد كتاب هنري علاق " السؤال ". وما إن عدت إلى فرنسا حتى قرأته. وكانت تلك القراءة بمثابة نقطة تحوّل كاشفة بالنسبة لِي. أدركت حينها أنني كنت غافلة عما تعنيه حرب الجزائر بالنسبة لنا، وما تعنيه حرب الاستقلال بالنسبة لكم؛ لذا عملت على تكوين نفسي في هذا الملف بالتوازي مع عملي الصحفي.
❊❊هل تفهمتِ موقف الجزائريين من عدم إمكانية تجاوز حرقة ما ارتكبه الاستعمار الفرنسي دون اعتراف من الدولة الفرنسية؟
❊أولا، أعتقد أن الجزائريين لم يطالبوا يوما بالاعتذار، ولا سيما ما يصطلح اليمين المتطرف الفرنسي على تسميته " التوبة " . وهي صيغة تنطوي على جلد الذات. وتُضفي عليها أبعادا دينية، تجعلني أنفر منها؛ لم يطالب الجزائريون بذلك قط. وكل ما يطالبون به هو أن تواجه فرنسا ماضيها بشجاعة، وأن تعترف بما جرى بالفعل.
وما جرى يرتكز على صدمتين أساسيتين ستظلان تنزفان في وجدان المجتمع الجزائري: قضية المختفين قسرا الذين بلغ عددهم أرقاما هائلة، وحُرمت عائلاتهم من حقها في الحداد. وقضية اغتصاب الرجال والنساء على حد سواء. وهاتان الصدمتان تنتقلان من جيل إلى جيل؛ لذا أعتقد أن معاناة الجزائريين مستمرة بسبب هذا الإرث، لا سيما أن الجانب الفرنسي دأب دائما على التقليل من حجم المأساة، والترويج لفكرة " طي الصفحة ". وردّي دائما هو أنه لا يمكن طيّ صفحة التاريخ قبل كتابته وقراءته بوعي.
❊❊ألا تعتقدين أنّ هناك فرنسيين مازالوا يحنّون إلى الجزائر؛ لأنها كانت عبارة عن مقاطعة تابعة لفرنسا، وليست محمية مثل دول أخرى؟
❊ بطبيعة الحال هناك فرق شاسع بين نظام الحماية والاستعمار؛ فمن المؤكد أن الجزائر كانت جوهرة الإمبراطورية الفرنسية. وهناك دائما ذلك الحنين المستبطن إلى ما يُعرف بـ " الإمبراطورية الضائعة ". وإلى جانب ذلك، شهدت حرب الاستقلال خسائر بشرية هائلة على الجانبين الجزائري والفرنسي، فضلا عن فظائع جسيمة.
لقد أُرسل جيل كامل من العسكريين بلغ نحو 1.9 مليون فرنسي، إلى الحرب وهم في سن العشرين؛ أي أن نحو مليوني شاب فرنسي طُبعوا بطابع عميق ومؤلم نتيجة صراع لم يكن يُسمّى حربا رسميا، بل وُصف بـ " الأحداث ". لقد أجريت بحثا ميدانيا حول هذا الجيل من العسكريين؛ فحتى إن كان الضحايا الأوائل والحقيقيون هم الجزائريون، إلا أن هؤلاء الشباب الفرنسيين كانوا بدورهم، ضحايا مأساويين؛ فقد توفوا في المتوسط قبل غيرهم بنحو 13 أو 14 عاما مقارنة ببقية الفرنسيين. وغالبا ما انحدروا نحو الاكتئاب وإدمان الكحول. وعانوا ما يُعرف باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)؛ إنه جيل شاب، تَضرَّر وعانى الأمرّين بدوره.
❊❊ لماذا تظل الجزائر حاضرة بقوة في قلب الحملات الانتخابية الفرنسية؟
❊أجل، هذا صحيح تماما؛ فهي تعود وتتجدد باستمرار؛ لأن الجزائر لاتزال تثير شغف الفرنسيين، بل وتأسرهم أيضا. أعتقد أن هناك مزيجا معقدا من الحب والكراهية ومشاعر الإحباط، خصوصا أن طلاق عام 1962 لايزال حديث العهد نسبيا.
❊❊ولماذا؟
❊ لأنه يوجد في فرنسا اليوم، نحو تسعة ملايين شخص ممن يصفهم المؤرخ بنجامين ستورا، بأن لديهم " الجزائر في القلب " ؛ أي أنهم مرتبطون بها بشكل مباشر سواء كانوا من أحفاد المهاجرين الجزائريين، أم من الأقدام السوداء، أم من الحركيين وأحفادهم، أم من عائلات العسكريين الذين شاركوا في الحرب. ما يقارب تسعة ملايين إنسان! ولهذا السبب تثير هذه القضية ردود فعل عاطفية مشحونة؛ لأنها تخص بلدا يعنينا جميعا في العمق. وباختصار، نحن جميعا مصابون بـ " مرض " حرب الجزائر.
❊❊ هل تشجعين تدريس التاريخ الذي يربط بين الجزائر وفرنسا في المدارس الفرنسية؟
❊نعم بالتأكيد. لقد حدث تقدم ملحوظ منذ عام 2000 تزامنا مع حركات استعادة الذاكرة. وأصبح طلاب الثانويات في فرنسا الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و18 سنة، يدرسون الاستعمار، وخصوصا حرب الجزائر ضمن مقرراتهم. وغالبا ما يُطلب مني بانتظام تقديم شهادات ومحاضرات للحديث عما اكتشفته وأخرجته إلى العلن في الجزائر عبر الشهادات الشفهية؛ لأن التعويل المطلق على الأرشيف الرسمي وحده يُعد وهما.
صحيح أن الأرشيف يساعدنا في معرفة تفاصيل أوفر حول الألغام، والتجارب النووية، والعديد من المجازر والملفات الأخرى، لكن في ما يتعلق بأكثر الجراح إيلاما في الجزائر؛ أي الاختفاء القسري والاغتصاب، لن نجد لها أثرا في الأرشيف الرسمي؛ لهذا يجب ألا نغرق في أوهام فتح الأرشيف كليا بهذا الخصوص. وعلى العكس من ذلك، فإن الأرشيف الخاص كدفاتر اليوميات الشخصية للجنود القدامى، قد أفادني، ومدّني بمعلومات أعمق بكثير مما أتاحته الوثائق الرسمية القليلة التي أفرج عنها الجانب الفرنسي.
❊❊وهل تتسم هذه المقررات والدروس التاريخية بالموضوعية؟ وهل يُدرَّس تاريخ الجزائر بموضوعية في الثانويات؟
❊نعم قطعا، وبكل تأكيد إنها تتسم بالموضوعية؛ بمعنى قول الحقيقة الصريحة؛ نعم قول الحقائق بوضوح تام بلا شك. وفي المقابل هناك بالتأكيد، شعور متنام بالضمير المهتزّ أو " الذنب " الفرنسي.
كما إنّ هناك ردودَ فعل أكثر وعيا ونضجا مقارنة بما كانت عليه الأوضاع قبل عشرين عاما، حين انطلقت في أبحاث حول حرب الجزائر؛ حيث كانت الرغبة السائدة تتمثل في وضع جبهة التحرير الوطني والجيش الفرنسي في كفة ميزان واحدة، وهو ما رفضته تماما.
أما اليوم فنحن مضطرون للاعتراف حتى وإن بقيت هناك ردود فعل غريزية تصر على الإنكار لدى قطاع من الشارع، بأننا كنا جيش احتلال يواجه ثوارا في الجبال، لم يبق أمامهم خيار آخر لإسماع صوتهم، سوى حمل السلاح.