الكاتب الصحفي مهدي بوخالفة:
كتابي شهادة على تاريخ حيّ باب الواد العتيق
- 1301
لطيفة داريب
كاد قلب الكاتب الصحفي مهدي بوخالفة، ينفطر حينما اكتشف هدم سوق باب الواد بحجة إعادة بنائه بحلة جديدة. وشعر ابن باب الواد بحسرة كبيرة وهو يرى زوال روح مدينته التي ترعرع فيها، فقرر أن يكون ابنا بارا لها من خلال إصداره كتابا حول تاريخها وملامحها، تحت عنوان "كانتيرا.. كان يا مكان باب الواد". لم يفهم بوخالفة سبب هدم سوق باب الواد، الذي مايزال على حاله إلى حد الساعة، حتى إنه بكى لذلك، فقد كان هذا السوق قبل الاستقلال وبعده، "روح باب الواد". وكان يتميز بتنوع سلعه، وانخفاض ثمنها، وكذا وجود مختصين في بيع بعض المنتوجات، مثل "الزواتني"، الذي كان يتخصص في تجهيز الزيتون، لكي يصبح صالحا للأكل.
وأضاف ضيف "كريشاندو" بالبليدة، أنه كان يمكن ترميم السوق بدلا من هدمه، لأنه جزء مهم من التراث الوطني، مشيرا إلى بقاء سوق البليدة على حاله، وهو الذي بُني على نفس شاكلة سوق باب الواد رغم أن هذا الأخير أكبر مساحة منه، ليتخذ قرارا بإصدار كتاب عن باب الواد، يكون شهادة منه لحيّه العتيق، الذي فقد بريقه كثيرا في السنوات الأخيرة. وفي هذا قال بوخالفة إن الكثير من الأقلام خطّت أسطرا كثيرة حول الجزائر العاصمة ومناطق أخرى من بلدنا، خاصة خلال السنوات القليلة التي أعقبت احتلال فرنسا للجزائر، حتى إن الكاتب الفرنسي هونوري دوبلزاك قال "إن سماء الجزائر تمطر كتبا"، لكن لا كتاب كُتب عن باب الواد". وهكذا قدّم الكاتب الصحفي مهدي بوخالفة، إصداره الأخير "كانتيرا.. كان يا مكان باب الواد"، بداية الأسبوع الجاري بمدرسة الفنون "كريشاندو"، مؤكدا أن باب الواد الحي الذي عاش فيه مراهقته، يُعد أجمل أحياء العاصمة. وعدّد مزايا باب الواد، الذي كان الحي الوحيد الذي يملك ملعبين، و11قاعة سينما، وبحرا جميلا. أبعد من ذلك، فلم يكن حيا، بل مدينة.."مدينة لا تنام".
وانتقل إلى الحديث عن خلوّ باب الواد من سكانها بعد الاستقلال. أما قبل ذلك، فقد سكنها الإسبان، والمالطيون، والإيطاليون، والفرنسيون من الأقدام السوداء، لتُملأ، من جديد، بجزائريين قدِموا من ولايات عديدة، مثل جيجل وبسكرة، وبالأخص من منطقة القبائل الصغرى. كما أكد المتحدث تشييد باب الواد بعد الاحتلال الفرنسي، حيث كانت أغلب أحيائها، قبل ذلك، عبارة عن مروج ما عدا "كانتيرا"، معقل تكسير الحجارة، إضافة إلى منبع استغلّه سكانها الجدد مباشرة بعد الاحتلال، فضاء للشرب والغسل، وكذا دار البارود. ووصف مهدي بوخالفة الحياة في باب الواد، بالجميلة. وقد تعرّف عليها حينما نال الشهادة الابتدائية، حيث وُلد بالقصبة، وعاش في بوفريزي (أعالي باب الوادي). وحينما تحصّل على الشهادة الابتدائية تعرّف، عن قرب، على باب الواد، واندهش لطريقة حياة سكانها، حيث كانوا يقضون سهراتهم في قاعات السينما والشارع، خاصة أن أغلب العائلات في باب الوادي، تعاني من ضيق المساكن، وبالتالي كان الأولاد يفضلون المكوث أكبر وقت ممكن، في الشارع، لكن في بوفريزي كان مهدي ينام باكرا، ويقضي أيامه في اصطياد "المقنين".
وفي مستهل حديثه، تطرق مهدي بوخالفة لجمال بعض بنايات باب الوادي. وقال إنها تضاهي بهاء بنايات باريس، بل إن العديد منها يفوقها جمالا، إضافة إلى وجود مصانع فيها، مثل مصنع "باستوس"، الذي كان يملكه السفاح بيجو، وكذا ملعبين وفريقين، من بينهما فريق المولودية، الذي يُعد أول فريق يتشكل من جمعية مسلمة، وكان ذلك عام 1921. وقال إن ثانوية "الأمير عبد القادر"، حاليا، عرفت مرور فائزَين اثنين بجائزة نوبل على مقاعدها، من بينهما ألبار كامو. وتوقف مهدي في هذه النقطة، وتحدّث عن ظروف دراسته في هذه الثانوية، وعن حنكة مراقبها العام أوصديق، وكذا المراقب العام للثانوية الثانية لباب الوادي تيجيني. كما تحدّث في الندوة التي نظمتها السيدة نادية بورحلة، عن احتضان باب الواد، العديد من الجنسيات والأديان، ممثلا بالفنان الراحل روجي حنين، الذي عاش في باب الواد، وطلب أن يُدفن في الجزائر، وكان له ما أراد، حيث دُفن في مقبرة بولوغين، فقد كان صديق الجزائر، ومدافعا عنها.
ولم يتمكن مهدي بوخالفة من تجاوز محنة باب الواد التي عاشتها في نوفمبر 2001، والتي مات، بفعل الفيضانات التي عمت المنطقة، الكثير من أبنائها، ومن بينهم خمس أخوات من عائلة واحدة. كما تطرق لانعكاسات مظاهرات 5 أكتوبر 1988 على باب الواد، التي قدّمت الكثير من الشهداء قبل وبعد الاستقلال، لتؤكد مقولة "باب الواد الشهداء".