ندوة الأدباء الشهداء
قوافل المبدعين على الدروب الوعرة
- 640
مــريم . ن
شاركت كوكبة من الباحثين في ندوة "الأدباء الشهداء" التي احتضنتها، قاعة "سيلا"، مؤخرا، حيث استحضرت أسماء نالتها يد الغدر والتصفية لمجرد أنها حلمت بيوم مشرق يطلّ على الجزائر ويزيح عنها ظلام ليل الاستعمار الذي جثم على شعبها الأبي ولم يكن السلاح الذي رفعوه في وجه المستعمر سوى القلم الذي اعتبره الجلادون أكثر فتكا من الرشاش. أدار الندوة الدكتور حميد بوحبيب الذي أكّد أنّ الذاكرة لا تزال حية وتؤلم، وأن هناك الكثير من المبدعين الشهداء الذين بقوا مجهولين ولم تسلط بعد عليهم أضواء البحث والعرفان.
أوّل المتدخلين كان الدكتور أحمد حمدي الذي تحدث عن الأدباء الذين اغتيلوا إبان الثورة التحريرية، وتوقف عند مؤتمر نظمه اتحاد الكتاب الجزائريين بالتعاون مع وزارة المجاهدين منذ 10 سنوات خلت تناول هذا الموضوع بالتفصيل، واتّفق فيه على أنّ كلّ هؤلاء الشهداء تمت تصفيتهم عن قصد وسابق ترصد وتخطيط اختارهم الاستعمار لمكانتهم ولأثرهم البالغ بين الناس، وقال "لا توجد أيّ عملية اغتيال غير مدروسة من العدو، ويمكن التأكد من ذلك في وثائق الأرشيف". تحدّث المتدخل عن الشهيد محمد الأمين العمودي الشاعر والصحفي الكبير الذي اغتيل في سنة 57 أثناء معركة الجزائر بعد اختطافه وتعذيبه بوحشية ثم رميه من القطار في مدينة البويرة بعد أن رفض رئيس البلدية دفنه جماعيا مع شهداء آخرين. وأشار إلى أنّ الشهيد العمودي كان صاحب قلم ودافع عن الروح الجزائرية في مقالاته المنشورة، علما انه من مواليد 1891 بالوادي التي درس بها ثم التحق بالعاصمة كسكرتير لجمعية العلماء وترجم بيان ابن باديس خاصة في مؤتمر 1936.
عن سبب اغتياله، أكّد الأستاذ حمدي أنّ الشهيد كان هو من كتب تقرير جبهة التحرير الخاص بالتعذيب والتقتيل وبطلب من عبان رمضان حيث قدّم لهيئة الأمم المتحدة، وكان شديد الأثر، ما جعل الوفد الفرنسي ينسحب. شهيد آخر هو الربيع بوشامة الشاعر ذو الإنتاج الغزير والمناضل في القضية الوطنية الذي طاله الاغتيال بوحشية، وكتب عنه ابن أخته المؤرّخ الدكتور جمال قنان دراسة كاملة وجمع أعماله، إلى جانب الشهيد رضا حوحو الشخصية المعروفة ذو الحياة الغريبة الذي خرج من سيدي عقبة للحجاز ودرس وترجم فيها وأهداها "غادة أم القرى"، ثم رجع للجزائر وعمل مع جمعية العلماء، ليغتال ويرمى بجبل الوحش بقسنطينة كرد على اغتيال الثورة لمحافظ شرطة فرنسي.
مولود فرعون الروائي العملاق والناطق باسم شعبه المقهور الفقير، وافتكّ إعجاب شعوب العالم وعرضت عليه المناصب لكنّه فضّل الجزائر ودفع ثمن ذلك في 15 مارس 62 ضمن سياسة الأرض المحروقة، استحضرت ذكراه هو الآخر، حيث تناولت ابنته السيدة فازية فرعون، آخر رواية كتبها الشهيد سنة 1958، ونشرت سنة 2007 بعنوان "مدينة الورود" قدم فيها شهاداته عن حرب التحرير وأدان فيها اختطاف زميله في التعليم، كما استعرض صور ثلاث شخصيات هي مدير المدرسة الجزائري والمعلمة فرانسواز الفرنسية والمعلم من الأقدام السوداء وكانت حياتهم تتسم باليأس الذي عاشته الجزائر حينها، كما وصفت الرواية الكثير من أحداث الثورة كإضراب الـ8 أيام وتاريخ 13 ماي 58 والتفجيرات والقهر، لكن مولود فرعون كان صارما وأوضح أن هذه الأرض لا يرثها إلا أبناؤها الجزائريون ليكونوا أسيادا فيها لا فقراء ولا عبيد، وذكرت المتحدّثة أنّ الشهيد استعمل البناء اللولبي في الرواية بشعرية فائقة مبرزا التساؤل والشكّ مع تقنية الارتداد أي العودة للأحداث السابقة.
تدخل أيضا ابن الشهيد مولود فرعون الأستاذ علي الذي امتلأت عيناه بالدموع، وهو يتحدّث عن اغتيال والده وبالارتياح أيضا الذي شعر به بعد عقود من العذاب، عندما علم أن والد مات بمستشفى مصطفى باشا في حضور عامل جزائري لقنه الشهادة، ثم استعرض مسار والده في العمل الثوري خاصة بالولاية الثالثة التاريخية، وأسفاره عبر المتوسط ضمن نشاطه في البحث الزراعي، كما اقترح عليه ديغول منصب سفير في الولايات المتحدة ورفض بقوله ”أنا معلم وسأظل كذلك” ليستشهد بـ12 رصاصة في جسمه. كما تذكر الحضور أيضا الشهيد عبد الكريم العقون الذي لم تتعرض له الدراسات وظلّ مظلوما، حيث كان شاعرا رومانسيا وسرعان ما التحق بالثورة وأغتيل، وقد حضر ابنه وليد الندوة وثمن اللقاء.
منشط اللقاء الدكتور حميد بوحبيب، أكّد أنّ هؤلاء اغتيلوا في زهرة شبابهم كانوا يحلمون بجزائر الحرية وكانوا متفتحين على الآخر لكن طريقة اغتيالهم تعبّر عن ارهاب دولة ممنهج ولم يحاكموا، أما الباحثة عفيفة برارحي فحثت على الالتزام بإحياء ذاكرة الشهيد مولود فرعون وكلّ من ضحوا من أجل الجزائر خاصة من الروائيين الأوائل، حيث كانت الكتابة شهادة حية و كانت الأنا بصيغة الجمع تتحدّث باسم الشعب وتقدّم الإدانة التي واجهت الرصاص. فيما وصف محمد شريف غبالو كتابات فرعون بالغضب والإدانة الواضحة والصريحة لفرنسا وكانت خطابا معاكسا لخطاب المستعمر شكلا ومضمونا، ما يدلّ على الاختلاف بين الهويتين الجزائرية والفرنسية.