كتابة محمد ديب للقصة القصيرة

قصص مشبعة بالحكمة واللطافة في زمن الاستعمار

قصص مشبعة بالحكمة واللطافة في زمن الاستعمار
  • 128
لطيفة داريب لطيفة داريب

أجمعت المشاركتان في الندوة التي احتضنها صالون الجزائر الدولي للكتاب تحت عنوان "محمد ديب.. كاتبا للأطفال.. بلاغة السرد وغواية الحكايات"، على براعة الكاتب محمد ديب في كتابة القصة القصيرة، وتمكّنه من تمرير الرسائل التربوية والحكم بأسلوب عميق ولطيف في آن واحد.

نشّطت الندوة المخصّصة للحديث عن كتابة محمد ديب للقصة القصيرة، كلّ من ابنته نعيمة كاترين والأستاذة نجاة خدة. وكانت البداية مع نعيمة، التي أكّدت اهتمام والدها بتضمين قصصه القصيرة رسائل تربوية وحكما، مضيفة أنّه أولى هذا الجنس الأدبي عناية خاصة. وكتب فيه بجدية، وحرص على إضفاء بُعد معرفي على قصصه، فضلا عما اتّسمت به من سلاسة وجمالية في السرد.

وتحدثت نعيمة عن طبيعة الشخصيات التي استحضرها والدها في قصصه، موضّحة أنّها كانت بعيدة عن الشخصيات المفزعة من قبيل الطفل الضائع أو الغول الذي يلتهم طفلا، بل كانت شخصيات مشبّعة بالحكمة واللطافة. وفي المقابل، بدت شخصيات رواياته ولا سيما في ثلاثيته، قاسية أحيانا؛ لأنّها عاشت مرحلة صعبة، على غرار عائلة لالة عيني التي كانت تواجه صعوبات في الحصول على الطعام.

وفي هذا السياق، توقّفت عند دور الروائيين خلال فترة الاستعمار في توثيق الحياة اليومية للجزائريين، وتأريخ تفاصيلها في زمن لم يضطلع فيه علماء الاجتماع والمؤرّخون بمهامهم في هذا المجال. واستعادت نعيمة بعض ذكرياتها مع والدها، مشيرة إلى أنّه كان يحوّل الأحداث اليومية إلى قصص، ولا يملّ من إعادة سردها كلّ يوم بأسلوب مختلف، بما يعكس قدرته على التقاط التفاصيل، وتحويلها إلى حكايات ذات أبعاد إبداعية.

ومن جهتها، تطرّقت الأستاذة نجاة خدة لبعض نتائج دراساتها الموسّعة حول كتابات محمد ديب، موضّحة أن ديب وأقرانه كتبوا في مرحلة تبلور فيها النضج والوعي السياسي لدى الجزائري الذي كان يعيش تحت نير الاستعمار الفرنسي. وتابعت أنّ هذا الجيل من الكتّاب وجد نفسه مضطرا للكتابة باللغة الفرنسية؛ أي لغة المحتل؛ للتعبير عن قضايا الهوية، والثقافة، والمجتمع الجزائري، مشيرة إلى أنّ ديب بدأ مساره الإبداعي من بوابة الشعر، والقصة القصيرة، والحكاية قبل أن ينتقل إلى كتابة الرواية، التي تُعدّ جنسا أدبيا لم تكن الجزائر تعرفه قبل الاستعمار؛ إذ كان الأدب الشفهي هو الطاغي في البلاد.

وفي هذا الإطار، أكدت خدّة أنّ محمد ديب استطاع التعبير عن هوية الجزائريين بلغة أخرى. وهو ما فعله كتّاب آخرون رغم أنّ بعضهم توقّف عن الكتابة الروائية؛ فكاتب ياسين، مثلا، توجّه إلى المسرح، حيث أمكنه توظيف الدارجة، بينما وضع مالك حداد قلمه وغادر عالم الكتابة. كما نوّهت بقدرة ديب على إدماج الثقافة الجزائرية في نصوصه المكتوبة باللغة الفرنسية، خلال فترة الاستعمار.

وفي المقابل رأت المحاضرة أنّ القصة القصيرة جنس أدبي خالد، بخلاف الرواية التي يتعيّن فيها أحيانا، إعادة النظر في الزمن الذي كُتبت فيه؛ لفهمها، واستيعاب سياقاتها، بينما تظلّ القصة القصيرة قادرة على مقاومة الزمن؛ إذ يستطيع كلّ قاص تقديمها بأسلوبه الخاص. وعادت نجاة خدة إلى استحضار حادثة جمعتها بمحمد ديب، حينما كُرّم للمرة الأولى بالمركز الثقافي الجزائري بباريس، حيث كان ردّه على المكرّمين: “ لن أشكركم بالكلمات، بل سأقص عليكم قصة". ثم وضع حفيده على ركبتيه، وشرع في سرد حكاية عن فرس النهر، مشركا إياه في رواية أحداثها، قبل أن تتحول هذه الحكاية لاحقا، إلى قصة مكتوبة بعنوان "فرس النهر الذي يعتقد أنه قبيح".