كتاب "اليابان والجزائر تاريخ 50 سنة من الصداقة"

قراءة في التاريخ والمستقبل

قراءة في التاريخ والمستقبل
  • 1884
 مريم. ن مريم. ن
صدر مؤخرا عن «دار القصبة» للنشر، كتاب جديد لسفارة اليابان في الجزائر، عنوانه «اليابان والجزائر تاريخ 50 سنة من الصداقة»، يتضمن 40 شهادة من جزائريين ويابانيين عاشوا هذه العلاقة التي امتدت لعقود، حيث يحمل الكتاب الكثير من الذكريات، كما يحمل خريطة إستراتيجية لتعزيز وتثمين هذه الروابط أكثر وتوسيعها لتشمل مختلف المجالات.
تضمن الكتاب رسالة من الوزير الياباني للشؤون الخارجية، السيد فوميو كيشيدا الذي قدّم نبذة تاريخية عن العلاقات المشتركة بين البلدين قبل وبعد الاستقلال، وكيف بدأ وصول الاستثمار الياباني إلى الجزائر، معتبرا هذا الكتاب المجسّد للخبرة والتاريخ سعيا إلى زيادة التبادل والتعاون بين البلدين، وثمن من جانبه، وزير الشؤون الخارجية الجزائري، السيد رمطان لعمامرة، هذه الذكريات وهذا الاستحضار الذي يمثّل رباطا تاريخيا بين الشعبين.
يحوي الكتاب عبر صفحاته الـ311 أربعة فصول؛ أولها خاص بـ«لمحة عن تاريخ خمسين سنة» يبرز التاريخ المشترك بين البلدين منذ سنة 1958، حينما وافقت اليابان على فتح مكتب لجبهة التحرير بالعاصمة طوكيو، تحت إشراف الدبلوماسي بن حبيلس الذي أصبح فيما بعد سفير الجزائر في هذا البلد، وكرمته الحكومة اليابانية سنة 2012 بمناسبة خمسينية العلاقات المشتركة.
كتب في هذا الفصل وفي غيره، البروفيسور ماساتوشي كيسايتشي الخبير في الشؤون الجزائرية الذي استحضر الاهتمام الياباني بالجزائر منذ مطلع استقلالها، مستعينا ببعض الجداول والبيانات التي تعكس هذا الاهتمام، وجاءت في هذا الفصل أيضا بعض الشهادات لمناضلين ونشطاء يابانيين ساندوا الثورة الجزائرية واستضافتهم الجزائر كضيوف أعزاء بعد استقلالها، وهو الأمر الذي ترك أثرا في وجدان هؤلاء، علما أن بعض أصدقاء الجزائر القدامى، منهم برلمانيون كتوكوما أتسونوميا وياسوهيرو ناكاسون وسابورو إيدا وغيرهم، أسسوا «جمعية الصداقة اليابانية –الجزائرية» عام 1961 وساندوا الثورة وسعوا إلى بناء علاقات متينة مع الجزائر فور استقلالها، ونوّه الكتاب أيضا ببعض الكتابات اليابانية المخلدة للثورة الجزائرية، خاصة كتابات توكوسا بورو الذي كرمته الجزائر عدة مرات ونعته بعد رحيله سنة 1977.
تناول هذا الفصل أيضا، عودة العلاقات بقوة بين البلدين بعد العشرية السوداء، علما أن اليابان رفضت ـ عكس دول أخرى ـ غلق سفارتها ببلادنا إبان هذه الفترة، وانطلاقا من ذلك فإنّ اليابان كانت ولا تزال تدعم الاستقرار في الجزائر وتثمنه.
أسهب في هذا الفصل الدكتور إسماعيل دبش، حيث استعرض بالتفصيل، بالاعتماد على الوثائق التاريخية، العلاقات بين البلدين، كما توقّف عند زيارته للعاصمة طوكيو التي رأى من خلالها التطوّر الرهيب لهذا البلد وسماحة شعبه وانفتاحه على الآخر، بالتالي فإنه نموذج يحتذى به في أية تنمية أو نهضة، كما كتب في هذا الفصل بعض الخبراء اليابانيين الذين زاروا الجزائر واكتشفوا إمكانياتها المادية والبشرية.
الفصل الثاني بعنوان «الذاكرة والمستقبل»، كتب توطئته السيد عبد المالك بن حبيلس، أول سفير للجزائر في اليابان ورئيس سابق للمجلس الدستوري، شرح في بدايتها النهضة اليابانية الناجحة التي كانت تشبه في بعض جوانبها النهضة التي خطّط لها الأمير عبد القادر لإقامة الدولة الجزائرية الحديثة، وراح السيد بن حبيلس يشبّه الأمير بالإمبراطور ميجي (رجل دولة وشاعر)، ثم سرد حضوره في اليابان أثناء الثورة كسابقة ديبلوماسية بعد شهادات مهمة يقدّمها، يقول بن حبيلس في ختامها؛ «سنة 2012 حصل لي شرف أن أُقلَّد الوشاح الأكبر لوسام الشمس المشرقة من قبل الإمبراطور أكي هيتو، وكانت لحظات تأثّر كبيرة بالنسبة لي أن أتلقى اعتراف الحكومة اليابانية بمساهمتي المتواضعة».
كما كتب في هذا الفصل، سفير اليابان في الجزائر، السيد تسوكازا كوادا، مداخلة بعنوان «بلد الإمكانيات الضخمة والفرص الهائلة»، عرّف فيه بإمكانيات الجزائر ونجاحها في التغلّب على الإرهاب المتطرّف، ويصف العديد من مناطق الجزائر التي زارها، والطبيعة، ومدى الأمن الذي يوفّره الجيش والشرطة، وبعد أن أكّد عزم طوكيو والجزائر على مكافحة الإرهاب، ركّز السفير على مستقبل العلاقات الثنائية. 
من جهته، اجتهد سفير الجزائر بطوكيو، السيد علي قطرنجي، في التعريف باليابان وكتب قائلا؛ «إقامتي بهذا البلد دفعتني إلى مراجعة تصوّراتي السابقة، حيث أدركت أنّ اليابان لم يفرّط في شيء من مقوّماته الأصيلة، مما سمح له بتفنيد الفكرة القائلة بأنّ الاغتراب أو التطبّع الثقافي ممر محتوم ولا غنى عنه لكلّ من يريد الانتقال إلى الحداثة، وإلاّ كيف نفسّر عدم شيوع استعمال اللغة الإنجليزية في هذا البلد، لا سيما في المراكز التي ترعى الإبداع والتواصل العلمي والتكنولوجي والفني؟»، واستعرض السفير أيضا الكتابات اليابانية المهمة عن الجزائر، داعيا إلى ضرورة ترجمتها وإلى مجهودات بعض الخبراء الذين درسوا طبيعة الجزائر وصوّروها، منهم الخبير البروفيسور كوبوري الذي كرّمه التلفزيون الجزائري بعرض فيلمه الوثائقي عن نظام الفقارات.
سفير اليابان السابق في الجزائر؛ يوزهيهيزا آرا، تحدّث عن جانب مكافحة الإرهاب وتحدّث سفير الجزائر السابق بطوكيو، سليم طاهر دباغة، عن «الجزائريين في اليابان قبل 50 سنة»، سجّل فيها ذكريات جميلة وتعاونا مرموقا واستضافة جيدة للجزائريين.
وركّز رئيس جمعية اليابان - الجزائر أكيرا أوراب على الشراكة بين البلدين اليوم وغدا، علما أنّه عاد بذكرياته إلى الوراء في علاقته بالجزائر، فيما كتب الباحث محمد بن داره من الجامعة الإفريقية بأدرار، عن مكتب البعثة الدبلوماسي لجبهة التحرير بطوكيو بين سنتي 1958 و1962 وكان الهدف الأساسي منها تدويل القضية الجزائرية ومدّ الجسور بين الشعبين.
كما كتب عبد الحق عيساوي وزير مستشار بسفارة الجزائر في طوكيو، عن موضوع «الجزائر واليابان معرضتان لأخطار زلزالية مشتركة»، استعرض فيها تاريخ التعاون في هذا المجال، كما حضر في هذا الكتاب أيضا السيد رضا حمياني، الرئيس السابق لمنتدى رؤساء المؤسّسات والرئيس المساعد للجنة الاقتصادية المشتركة الجزائرية اليابانية، من خلال استعراضه للعلاقات الاقتصادية بين البلدين.
علاوة على شهادات أخرى كثيرة، منها شهادة الرياضي السيد محمد يماني لزهاري، وهو أوّل ممثل للجزائر المستقلة في الألعاب الأولمبية بطوكيو سنة 1964.
للإشارة، خصّص الفصل الثالث للعلاقات الاقتصادية، والفصل الرابع للتبادلات القيمة بين الشعبين، كما يحوي صورا فوتوغرافية تجسد بعض المناسبات المشتركة والتعاون الاقتصادي والثقافي.
يعتبر الكتاب مبادرة فريدة من نوعها لم يسبق لها مثيل، طبع في نسختين بالعربية والفرنسية وساهم في إنجازه الكثيرون دون مقابل ولم يتردد أحد، حيث عبروا كلهم عن عمق العلاقات بين الشعبين الجزائري والياباني.