تاريخ النضال الجزائري تحت مجهر الملتقى
قراءات أكاديمية في مفاهيم الثورة والثوار بالجزائر
- 172
آية توازي
يستعد مخبر التاريخ والحضارة والجغرافيا التطبيقية، بالتنسيق مع قسم التاريخ والجغرافيا بالمدرسة العليا للأساتذة ببوزريعة، لتنظيم ملتقى وطني حضوري نوعي تحت عنوان "الثورة والثوار في الجزائر عبر العصور"، والمقرر عقده يوم 10 ديسمبر القادم. ويأتي هذا الحدث العلمي كفرصة استثنائية للباحثين والمؤرخين لاستنطاق السجل الثوري الجزائري الحافل، وتقديم قراءة علمية رصينة لمسار نضالي طويل من المقاومات الشعبية، الرافضة لكل أشكال الهيمنة.
يفتتح الملتقى الوطني رؤيته بالتأكيد على أن الثورة لا تُقرأ بلحظات العبور، ولا تُختزل في أطر زمنية ضيقة، بل تنطلق من حقيقة أن الجزائر هي بلد الثورة والثوار، بسجل تاريخي حافل يتعدى كل الحدود؛ حيث تنص ديباجة الملتقى على أن الثورة هي رمز الحرية، وأمل الشعوب المستضعفة، والقوة الكامنة في وجه كل ظالم ومحتل. وهي البداية لكل تغيير، والتعبير الصادق عن الوطنية والمجد، والرفض القاطع لكل أشكال الاستعباد والتبعية. وإذ يؤكد هذا المسار التاريخي الطويل عبر العصور القديمة والوسيطة والحديثة وصولاً إلى ثورة أول نوفمبر الخالدة، أن ثورات الجزائر لم تكن لحظة عابرة بل كانت منحى آمناً ودروساً عظيمة في الدفاع عن الدين والوطن، فإن محاولة التأريخ اليوم للمسار الثوري، تظل واجباً لربط الماضي بالحاضر، وجعله عزّاً للمستقبل، وقدوة للشباب.
ومن هذا المنطلق الجوهري، يطرح الملتقى تساؤلاته المركزية حول كيفية تطور المفهوم الثوري وأدوات المقاومة في الجزائر عبر العصور، باحثاً في سرّ قدرة الثائر الجزائري على صون سيادة الدولة، وحماية عناصر الهوية الوطنية في مواجهة مختلف التحديات عبر الحقب التاريخية المختلفة، بدءاً من الجذور في العصر القديم، مروراً بالمحطات الكبرى في العصرين الوسيط والحديث، ووصولاً إلى العظمة النوفمبرية المظفرة في فاتح نوفمبر 1954.
ويتوزع البرنامج العلمي للملتقى على خمسة محاور استراتيجية دقيقة تهدف إلى تفكيك بنية الفكر الثوري وتطور دلالاته، حيث يفتتح المحور الأول النقاش بقراءة نقدية لمصطلحات الثورة، ومفاهيمها المرتبطة بالحرب والمقاومة والتمرد، وأبعادها العقدية والسياسية، في حين يتناول المحور الثاني دراسة الثورات والمقاومة التاريخية في العصر القديم. كما يسلط المحور الثالث الضوء على أشكال المقاومة في العصر الوسيط والعهد العثماني، لينتقل المحور الرابع إلى رصد المقاومات الشعبية في مواجهة الاحتلال الفرنسي. وتختتم هذه الخماسية العلمية بـالمحور الخامس، الذي يخصَّص لدراسة ثورة أول نوفمبر 1954 من حيث مسبباتها، وأبعادها، ومسار أبرز الثوار الجزائريين.
ويسعى الملتقى من خلال هذه المحاور إلى تحقيق جملة من الأهداف الوطنية والأكاديمية البارزة، في مقدمتها إبراز قيمة الشهيد والثائر، ومكانتهما الرمزية كحماة للدولة والحدود، إلى جانب غرس قيم الثورة النوفمبرية والمقاومات الشعبية في نفوس الطلبة والباحثين؛ لتعزيز الوعي التاريخي لديهم. كما يطمح اللقاء لتأصيل البحث العلمي عبر تقديم منطلق معرفي رصين، يشجع الطلبة على البدء في بحوثهم وكتاباتهم التاريخية، مع التأكيد على ربط الذاكرة بالحاضر، وإبراز أن استمرار التاريخ الوطني يُعد صمام أمان أساسياً لحماية السيادة والهوية الوطنية.