في معرض للصور بالمركز الثقافي الجامعي
فنانون مصورون يقدمون "الوجود" بنظرتهم الخاصة
- 170
لطيفة داريب
لكل منا نظرته الخاصة لوجوده في الحياة، ولوجود الخالق والمخلوقات، فماذا لو كان فنانا يستطيع أن يعبر عن هذا المفهوم، ليس بمنطقه فقط، بل بأحاسيسه الرقيقة وعواطفه المرهفة وميله للتفاصيل؟ وهو حال أربعة فنانين مصورين؛ نادين جمعة ولطفي فكيح وقادري محمد بن عبد الله ولوسيان ديسكوفر، الذين جسدوا تصورهم لهذا المفهوم في أعمالهم الفنية التي عرضت مؤخرا، بالمركز الثقافي الجامعي.
البداية مع الفنانة المصورة نادين جمعة، واسمها الفني "نادين إيسكابيزم"، التي عرضت في هذه الفعالية المعنونة بـ«وجود" ست صور، عن الطبيعة والإنسان وعن علاقة بعضهما ببعض، وكذا عن ميل هذا الإنسان إلى العزلة والتأمل في داخله وفيما يحيط به، وسط إضاءة قد يتمثل الحقيقة بالنسبة له، والظل الذي يأخذه إلى بحر من الشكوك.
تأملات في الوجود بين الإضاءة والظل
اعتبرت نادين أن "الوجود" هو صراع من أجل البقاء، عبر سلسلة من الخيارات، كل منها يضيق ويحدد المسار المستقبلي، مؤديا إلى نهاية ليست محددة، بل كل حياة تشكلها على نحو مختلف. إنه التواجد في قلب العدم، وإدراك ثقل الحياة بكل ما فيها من معاناة صامتة ودائمة.من خلال نظرة نادين للوجود، التقطت محطات من هذه الطبيعة، متأملة في آن واحد شقوقها، وكسورها، وتكيفاتها. مشيرة إلى أن كل صورة هي نتيجة لخيار أمثل، يوجه شيئا أعمق وأكثر روحانية.
كما ركزت على اللون الأزرق في صورها، وهو اللون الذي يحمل في آن واحد الهدوء والعمق، بالإضافة إلى الأضواء الناشئة وسط اللون الأخضر، والتي تستحضر لحظات الانتقال. واعتبرت طالبة دكتوراه في الهندسة الكيميائية، من خلال كلمات خطتها بهذه المناسبة، أن منظورها للوجود هو منظور التأمل والوحدة، لكنه أيضا منظور الدهشة أمام العمليات غير المرئية، التي تشكل المادة والذات في آن واحد. فعند النظر إلى العالم بهذه الطريقة، لا يصبح الوجود معنى ثابتا، بل حركة وتطور مستمر يشكله ما يبقى، وما يتكيف، وما تم اختياره.
الوجود في مرآة الآخر بين الأبيض والأسود
على عكس نادين، يبتغي الفنان المصور محمد قادري التقاط الصور بتقنيتي الأبيض والأسود، لأنه يعتبر أن الألوان الأخرى قد تغطي على موضوع الصورة، لهذا فهو يتجنبها متتبعا خطى المصورين الكلاسيكيين. أما عن مفهوم الوجود بالنسبة له، فهو في المقام الأول أمر داخلي، يتكون من المشاعر والأفكار، ومن روح متحركة تسعى إلى الشعور الكامل، لكنه لا يتجسد إلا من خلال الآخر. وأضاف الفنان في ورقته التعريفية بأعماله، أنه بدون الآخر، لن يكون هناك حب ولا كراهية ولا عدل ولا افتقاد ولا شيء لنشعر به، ولا شيء نستمد منه المعنى. حتى موت الآخر يزيد من حدة فكرة نهايتنا نفسنا، ليذكرنا بهشاشة كل لحظة نعيشها، موضحا أنه لو كانت الوحدة المطلقة موجودة، لأصبح الوجود فارغا، بلا عمق، بلا حقيقة. ويقول "الآخر موجود، لذا أنا موجود".
كما أشار الفنان إلى تأرجح الوجود بين الثقل والخفة، وبين صراع قد يكون أحيانا عبثيا، وضرورة المضي قدما رغم كل شيء. فهو يقع بين الرغبة والافتقار، وبين المعاناة والرضا، في نهم شبه أبدي، وكذا بين الكسل والملل وأفراح قصيرة. ومن خلال الصورة، يسعى الطبيب الفنان إلى التقاط ما لا يُرى، وكشف الغيب، وإدراك الزائل، والتعبير عما أشعر به من خلال ما يرى. فهو منتبه للنسيان، ولما يمر دون أن يُلاحظ، وكذا لظلال الفوضى، وللجمال الذي يتسلل إلى اللحظات العادية، ساعيا بذلك إلى إعطاء معنى للوجود.
سيمفونية صامتة بين الإنسان والعمارة
أما الفنان لطفي فكيح، واسمه الفني لطفي إينيفرس، فقد بدأ مشواره في فن التصوير بالتقاط صور للطبيعة وللشارع، لتسنح له فرصة إبراز صوره هذه أمام الجمهور في معرض المركز الثقافي الجامعي، حيث قرر التنازل عن عاطفته وتقديم سبع صور بمنطق "المنطق". يرى لطفي الوجود كسيمفونية صامتة، يتحاور فيها الفرد مع الخلود. إذ تتمحور رؤيته حول سبعة أركان تحدد حالتنا المتمثلة في روحانية الجسد المتأمل، والعقل والمعرفة كنور في الظلام، وكذلك الأمل واللامبالاة اللذان يتم التقاطهما في زخم الشباب.
ومن خلال عدسته، يلتقط لطفي الزمن الذي يمر ومسار الحياة، حيث تصبح كل صورة شاهدا على مرور عابر. هذا الوجود لا يكتسب معناه الكامل إلا في قلب العمارة، هذا الإطار الثابت الذي يخلفنا ويحتوينا. كما أن الوجود، حسب الفنان المتحصل على دبلوم تقني عالي في علوم الكمبيوتر، هو أيضا العيش في هذا التباين، يعني أن نكون ظلا هشا ومتحركا في عالم من الحجر والضوء، نبحث بلا توقف عن التوازن بين الأثر الذي نتركه والصمت الذي نعيش فيه.
وعي وإبداع نحو الانسجام الإنساني
بدوره، يشارك الفنان الروسي لوسيان ديسكوفر، في هذا المعرض، بتسع صور، من بينها صورة عن بحيرة معزولة في تركيا وأخرى مركبة، مبرزا فيها مجموعة من الأيدي ترحب بحلول العام الجديد، مؤكدا خلال مشاركته في هذا المعرض، أهمية الفنون في تعميق الإحساس بالوجود. الوجود بالنسبة للوسيان المتخصص في تكنلوجيا المعلومات، هو وعي ومسار رحلة تصويرية بين الطبيعة والثقافة ينبع الوجود من وعي الذات.
كما يرى أن أفضل تجسيد لهذا الشعور هو التقاط صورة، لأن للوجود في حد ذاته قصة، قائلا إنه يحب أن يتخيل أن الله خلق السماء والأرض والماء والضوء وكل شيء على أرض أسكرام (تمنراست). كما أن الوجود، حسبه، هو أيضا ثمرة مواقف إبداعية، مثل الترحيب بالآخر، وخلق مساحات للحياة. وتابع أن هذه المساحات الحياتية، وهذه المشاريع بحاجة ماسة إلى الرقص، والقراءة والنحت، والهندسة المعمارية، والمتاحف، والتصوير الفوتوغرافي، والاحتفالات حتى يتمكن الوجود من إيجاد الانسجام بين الجمال، الحقيقة، الأصالة، والعدل لكي نعيش معا، فلا شيء أكثر ضرورة من الرحمة المتبادلة.