الكاتب سعد سعيد يقدم مؤلَّفه عن أعمر الزاهي:
فنان كبير وقلب أكبر
- 162
لطيفة داريب
قال الكاتب سعد سعيد إنّه أراد من خلال كتابه "أعمر الزاهي..أسطورة تجديد أغنية الشعبي" ، تسليط الضوء على أعمر الزاهي الإنسان أكثر من كونه فنانا، مشيرا خلال الندوة التي نشّطها أوّل أمس بالمركز الثقافي الجامعي حول كتابه الصادر عن دار "القبية" ، إلى كشفه جوانب ومواقف من حياة الزاهي تتدفّق نبلا وكرما وإنسانية دون تجاهل قيمته الفنية الشامخة.
تحدّث الكاتب الصحفي سعد سعيد بكلّ تأثّر، عن حياة وفن الفنان الراحل أعمر الزاهي؛ فمن خلال رحلة بحثه عن معلومات تخصّ هذا الفنان الذي رحل عام 2016، والتي دامت عامين ونصف عام، تمكّن من اكتشاف العديد من النقاط التي تخصّ المسيرة الفنية للزاهي، وبالأخصّ المتعلقة بحياته، وشخصيته، وصفاته التي جعلته محبوبا إلى درجة عظيمة. والدليل الجمهور الغفير الذي حضر جنازته.
وأضاف سعد أنّه استعان في عملية البحث هذه بشهادات أصدقاء الفنان الأحياء وعلى رأسهم لونيس آيت عودية. وقد توقّف، أولا، عند طفولة الزاهي، فقد كان طفلا كتوما يحب أن يجلس خلف الدار في عين الحمام بتيزي وزو، ليختلي بنفسه ويشاهد الطبيعة. وفي يوم من الأيام حينما كان يبلغ من العمر ثماني سنوات، غادر والده البيت دون رجعة. وسبّب بذلك جرحا غائرا في قلب الطفل أعمر.. لم يشف منه أبدا.
وتابع المتحدّث أنّ جدّه، والد أمه، اصطحب العائلة المشكّلة من أعمر وأخيه الذي استشهد خلال الثورة التحريرية وأخته وأمهم، إلى القصبة فعاشوا فيها جميعا. وهناك استطاع اليتيم التخلي عن عزلته رويدا رويدا، والاحتكاك بأطفال مثله، ومرافقتهم إلى البحر مثلا. وعندما كانوا يسبحون كان يتعلّم أصول العزف على القيتار الذي أعاره له صديقه الجديد الفنان بوعلام بن لمو، فتعلّم بسرعة، وهو العصامي الذي لم يدرس الموسيقى قط، حيث كان يتعلّم العزف من الثانية ظهرا إلى الثامنة ليلا دون توقّف.
وواصل سعد سرده حياة الزاهي فقال إنّ أصحابه اندهشوا من براعة عزف الفنان على القيتار رغم حداثة عهده به، وحتى بقدرته الفائقة على إعادة أغاني داليدا، وشارل أزنافور، وأدامو وغيرهم، ليطلب منه صديقه الوناس آيت عودية غناء الطابع الشعبي، لكن الزاهي رفض لأنّه يعتقد أنّ الموسيقى في تطوّر ملحوظ، وأنّ الشعبي يُقدَّم بأسلوب واحد منذ قرون.
وذات يوم كان الزاهي جالسا في مقهى، فشاهد آيت عودية من بعيد، فناداه وأخبره أنّه استمع لأغنية بوجمعة العنقيس، وأُعجب جدا بها، وأنّه سيؤدي هذا النوع من موسيقى الشعبي، ليجد ضالته في الفن، علما أنه كان محبا لسماع الموسيقى، ويملك أذنا موسيقية مميزة. كما كان خاله يُحضر للبيت كلّ الأسطوانات الجديدة بحكم عمله كصحفي في الإذاعة، يضيف سعد.
وذكر المحاضر أنّ الزاهي دُعي لإحياء حفل صديقه لارادي الذي كان حارس مرمى فريق كرة قدم الحيّ عام 1963، لكنّه امتنع؛ فهو لم يفعل ذلك قط، لكن بإلحاح من أصدقائه فعل، وكان حفلا ناجحا بجدارة. وكان من بين الحضور الأستاذ مصطفى طاوش الموسوعة والمتخصّص في تاريخ فن الأغنية الشعبية.
وبعد يوم من إحيائه العرس، كان الزاهي، كعادته، يجلس في مقهى بحيّه، فذهب إليه طاوش ومدحه، وطلب منه أن يكون في نفس المكان في الغد. وكان ذلك؛ حيث التقى الزاهي بشخصية ثانية، وهي الفنان محمد قبايلي الذي أعجب بأداء الزاهي، وقدّم له قصائد ليؤديها، علاوة على وجود شخصية ثالثة ساعدت الزاهي كثيرا في مسيرته الفنية، وهي الفنان قدور باشطبجي الذي رافقه وصاحبه.
وواصل سعد حديثه عن الزاهي الذي شارك في أوّل طبعة من مهرجان أغنية الشعبي عام 1965؛ حيث كانت لجنة التحكيم تضمّ الحاج العنقا ورشيد قسنطيني. وتحصّل على المرتبة الأولى بجدارة. ومن بعدها سجّل أوّل أسطوانة له، واشترى قيتارا، وقدّم أغنية لمحبوباتي التي اشتهر بها جدا وعنوانها "يا شمعة".
وبالمقابل، أكّد سعد أنّ طفولة الزاهي القاسية أثّرت في حياته
كثيرا، لكن هذا لم يمنعه من كونه إنسانا طيّبا، ومعطاءً إلى درجة تفوق الخيال؛ فمرة قصدته امرأة بغرض إحياء حفل ختان ابنها. ولما سمع بأنّ والد الطفل متوفى وأنّه كان يتمنى أن يغني الزاهي في ختان ابنه، نشط الحفل بالمجان، وقدّم مبلغ عشرة ملايين سنتيم للعائلة، علما أنّه حينما كان يحيي الحفلات بالمجان كان يقدّم لأعضاء الأوركسترا حقهم المالي من جيبه.
وأضاف سعد أنّ الزاهي كان يحترم المرأة كثيرا. وكان رؤوفا بالأطفال، وكثير الأدب، وصاحب أخلاق رفيعة، ليقدّم أمثلة أخرى عن كرمه؛ مثل منحه أظرفة مالية ما بين الثلاثين والأربعين ظرفا لصاحب محل مواد غذائية، وفي نفس الوقت مناجيره والمسمى "أمين"، حتى يقدّمها للمساكين قبل حلول شهر رمضان، وكذا وضعه ظرفا ماليا في صندوق بريد أحد أعضاء فرقته الموسيقية حينما سمع بمرضه، وحتى رفضه أخذ حقوقه من الديوان الوطني لحقوق المؤلف، فكان، بالفعل، رجلا عظيما، وكانت فرحته أن يشاهد الآخرين سعداء. وتوقّف سعد عند جنازة الزاهي حينما حضرها جمع غفير، وهو اليتيم الذي جاء الى العاصمة لا يعرف أحدا، فأصبح شخصية معروفة رغم أنه لم يكن يحب الشهرة أبدا، لكن فنه وتواضعه وكرمه جعلوا منه رجلا لا يمكن أن يُنسى، ولن يُنسى أبدا.