من أصعب الفنون الأدبية
غرمول والزاوي يدعوان لإعادة الاعتبار للقصة القصيرة
- 228
لطيفة داريب
فنّد الكاتب عبد العزيز غرمول الاعتقاد السائد بأنّ كتابة القصة القصيرة سهلة، معتبرا إياها من أصعب الفنون الأدبية، وأكثرها مشقّة بالنظر إلى ما تتطلّبه من تكثيف وتركيز. ومن جهته، دعا الكاتب أمين الزاوي إلى إعادة الاعتبار لهذا الجنس الأدبي، من خلال تنظيم ندوات وملتقيات ونشاطات متخصّصة، تعيد إليه مكانته في الساحة الأدبية الجزائرية، وتلفت الانتباه إلى إمكاناته الإبداعية.
نشط الكاتبان عبد العزيز غرمول وأمين الزاوي ندوة بعنوان "القصة القصيرة.. فن يقاوم الزوال"، نُظمت في إطار البرنامج الأدبي لصالون الجزائر الدولي للكتاب، وأطَّرها الكاتب الخير شوار. وفي مداخلته، أكد غرمول أنّ الاعتقاد بسهولة كتابة القصة القصيرة، اعتقاد خاطئ، موضّحا انطلاقا من تجربته الأدبية، أنّ هذا الجنس الإبداعي يُعدّ من أصعب الفنون الأدبية، بل إنّه يشبه القصيدة الشعرية من حيث الكثافة والتركيز، باعتباره يقتنص مقتطفا من لحظة زمنية، ويُكثّفها في مساحة محدودة. ومع ذلك يرى أنّ كتابة القصة القصيرة تشكّل ممرا سليما نحو كتابة رواية جيدة.
وتحدّث غرمول عن العصر الذهبي للقصة القصيرة في الجزائر، محدّدا إياه بالفترة الممتدّة من منتصف سبعينيات القرن الماضي إلى أواخر الثمانينيات. وأضاف أنّ الشعور العام لدى الكتّاب الجزائريين منذ التسعينيات، اتّجه نحو الرواية؛ لأنّ المجتمع كان يعيش حياة تراجيدية ومكثّفة، لم تعد القصة القصيرة قادرة على التعبير عنها في ذلك العصر الصعب، والمعقّد.
وأكّد المتحدّث أنّ القصة القصيرة لم تختف، مستشهدا باطلاعه، قبل أيام، على مجموعات قصصية لكتّاب أمريكيين، مشيرا إلى أنّ هذا الجنس الأدبي أصبح يحظى باقتباسات في المجال السينمائي أكثر من الروايات الكبرى ذات الطابع الملحمي. وأضاف أنّ الزمن الذي نعيشه حاليا لا تكفيه القصة ولا القصيدة؛ لأنّه زمن ملحمي، وهو ما يدفع الكتّاب إلى التوجّه نحو الرواية، والانطلاق في عوالمها، باعتبارها جنسا أدبيا يتّسع للعديد من الموضوعات والأفكار بخلاف القصة القصيرة التي تظلّ محدودة المساحة، فضلا عن كون كتابتها شاقة، ومتعبة جدا.
من جهته، يرى الكاتب أمين الزاوي أنّ كتابة القصة القصيرة تنطوي على متعة كبيرة. غير أنّ هذا الجنس الأدبي بدأ يتراجع حضوره في المشهدين الثقافي والإعلامي، موضّحا أنّ الجمهور لم يعد يتابع القصة القصيرة كما في السابق، ليس في العالم العربي فحسب، وإنّما حتى في أوروبا. وقال إنّ الأمر يتعلّق بظاهرة عامة. وأضاف الزاوي أنّه نشر أوّل مجموعة قصصية له سنة 1982، بعنوان “ ويجيء الموج امتدادا “، وأنه اكتشف قبل نحو 16 شهرا، صدور طبعة جديدة منها في بيروت. كما قُدمت عنها دراسة في جريدة “ القدس العربي “، قالت إنها تنتمي إلى أدب الحداثة؛ وكأنها مجموعة قصصية جديدة بالفعل.
وكشف المتحدّث عن تفكيره في العودة إلى كتابة القصة القصيرة، لا سيما في ظلّ ما تشهده حياتنا اليومية من أحداث وتفاصيل، تستدعي قدرا معيّنا من التكثيف للتعبير عن فكرة أو موقف. وفي هذا السياق، قال: “ ما يحيرني هو طغيان ثقافة الاختصار؛ يعني نحن نقرأ في وسائل التواصل الاجتماعي ما هو قصير وفي الوقت نفسه يحبذ الناس الرواية! حقا هي مفارقة عجيبة! “ . وتابع أنّ انتشار ثقافة الاختصار يجعل العودة إلى القصة القصيرة، ضرورة في الوقت الراهن، غير أنّ ذلك لا يعني أن تكون مجرّد كتابة مختزلة، بل ينبغي أن تكون قصة حداثية، نكتبها لأننا نريد قول شيء بطريقة جميلة، وليس لمجرد الرغبة في الاختصار.
واستعاد الزاوي أوّل قصة كتبها بعنوان “ المتعذّبة “ عندما كان يدرس في الطور المتوسط، والتي نشرها في مجلة “ آمال “ التي كان يشرف عليها الأستاذ عبد الحميد صقال، الذي كان يشغل منصبا مركزيا بوزارة الثقافة. وأضاف أنه عندما تولى صقال منصب مدير جريدة “ الجمهورية “ في الثمانينيات، وجد الزاوي رئيسا للقسم الثقافي، فسأله مستحضرا قصته القديمة: “ ما أحوال المعذبة؟ “. وقال الزاوي إنّه كان نسي تلك القصة تماما، لكنّه عندما أعاد قراءتها وجد فيها نوعا من البراءة والعفوية اللتين تتماشيان مع طبيعة الإبداع. وقال إنّ تذكّر صقال قصته يؤكّد أنّ القصة القصيرة مثل القصيدة الشعرية، تترك أثرا قويا في الذاكرة، مشيرا إلى أنّ لكلّ قصة حكايتها، وأنّ القصص الجميلة والمؤثّرة هي التي تظل راسخة في ذاكرة الكاتب والقارئ على حد سواء.
وفي ختام مداخلته تأسّف الزاوي لاعتقاد البعض ولا سيما من الجيل الجديد، أنّ القصة القصيرة جنس أدبي من الدرجة الثانية أو حتى الثالثة، داعيا إلى التفكير جديا في تنظيم ملتقى دولي سنوي حول هذا الفن؛ حتى تضطلع الجزائر بدور في إعادة لفت الانتباه الإبداعي إلى القصة القصيرة. كما شدد على ضرورة الاهتمام بهذا الجنس الأدبي من قبل الجامعات وصنّاع الأفلام والمسرحيات بما يتيح له استعادة حضوره، وتوسيع آفاقه في مختلف المجالات الثقافية والإبداعية.