محمد الصالح الصديق

عقاد الجزائر وأمير البيان والسلوك

عقاد الجزائر وأمير البيان والسلوك
محمد الصالح الصديق، الأستاذ الباحث، الشيخ الفاضل، الكاتب المتميز والمجاهد الفذ
  • 1044
نوال جاوت نوال جاوت

قدّم محمد الصالح الصديق، الأستاذ الباحث، الشيخ الفاضل، الكاتب المتميز والمجاهد الفذ، الكثير للوطن، للفكر والكتابة، وللمكتبة الجزائرية التي أثراها بما يربو عن ثلاثة وثمانين مؤلفا، مما يجعله أكثر الأدباء والباحثين الجزائريين إنتاجا وغزارة· ينتمي الأستاذ محمد الصالح الصديق إلى قرية "إبسكرين" بأزفون، وهي القرية التي أنجبت علماء وأبطالا، على غرار الشيخ محمد السعيد، الذي تولى الإفتاء بالجزائر في أوائل القرن الماضي، والشهيد الرمز ديدوش مراد، الذي ضحى بالنفس والنفيس من أجل الجزائر.

انتقل والد الأستاذ الصديق إلى قرية "أبيزار" ليتولى الإمامة فيها، وبها وُلد محمد الصديق يوم 19 ديسمبر 1925، فاهتم به والده غاية الاهتمام، فحفّظه القرآن الكريم، فانتهى منه وهو في التاسعة من العمر، لينكبّ، بعد ذلك، على حفظ شعر المتون. وأخذ عن والده مبادئ اللغة العربية، والفقه والحساب، ثم انتقل إلى زاوية الشيخ عبد الرحمان اليلولي؛ حيث اهتم به العلاّمة الأزهري الشيخ أرزقي الشرفاوي. ولم تمض ثلاث سنوات حتى نُصب للتدريس بإعانة من الشيخ· سافر الشيخ الصديق إلى جامع الزيتونة بصحبة الشيخ نسيب، فكان أن زُج بهما في سجن تبسة لسفرهما بلا أوراق، فقضى فيه 19 يوما. وفي السنة الأخيرة من الدراسة نشر عدة مقالات في صحيفة "صوت الطالب الزيتوني". كما ألّف في نفس السنة، أول كتاب له، هو "أدباء التحصيل" في أربعة أجزاء. وكان لصدوره في تونس أثر كبير في مختلف الأوساط العلمية والأدبية؛ لأنها لم تر قبل ذلك، عملا فكريا يصدر لطالب مايزال في حلقات الدروس.

عاد الأستاذ الصديق إلى الجزائر عام 1951 حائزا على شهادة التحصيل. ولم يكد يقضي في بيته أسبوعا حتى جاءه طلبة الزاوية اليلولية التي سبق أن درس فيها، فأخذوه أستاذا لهم، وقد أحدث فيها انقلابا جذريا في النظام والدروس، وأسس لهم مكتبة هامة. والتحق بعد ذلك بالثورة مسؤولا عن المال والأسلحة. وانضم لمكتب الصحافة لتحرير "المقاومة"؛ اللسان الرسمي لجبهة التحرير الوطني. وبعد عام جُند ضمن كتيبة من الجيش للمرابطة في "فزان" على الحدود الجزائرية - الليبية. وعند انتهاء المهمة عينته الجبهة مسؤولا عن الإعلام للثورة في العاصمة الليبية طرابلس. وفي أول نوفمبر 1958، دشن "صوت الجزائر"، وظل يقدمه ثلاث مرات في الأسبوع. كما كان يلقي محاضرات، ويكتب في الصحافة يوميا إلى أن انتهت الثورة. وعاد إلى الجزائر، وظل في السلك الدبلوماسي للخارجية حتى سنة 1964؛ حيث آثر أن يعود إلى التعليم. وفي سنة 1981 انتدبه الشيخ شيبان ليشرف على هيئة علمية لإحياء التراث العلمي، فأصدروا "تراث ابن باديس" في ستة مجلدات·

وسبق للروائي والكاتب أمين الزاوي أن وجّه للأستاذ الصديق، رسالة سماها "إلى عقاد الجزائر" خلال تكريمه بالمكتبة الوطنية الجزائرية منذ سنوات، قال فيها: "أنت المرجع ورجع الصدى·· من تربتك نبت الحلم والنصوص الجميلة.. أنت الماضي لأنك الذاكرة، والمستقبل فينا بأخلاقك، علمك، تواضعك ووطنيتك". وواصل الزاوي رسالته بالثناء على مسار الأستاذ محمد الصالح الصديق وأسماه "أمير البيان والسلوك". وقال في هذا الصدد: "كنت فوق الجهويات والعصبيات تستظل بالله، الوطن والثقافة·· أنت هرم جزائري يمشي بكل تواضع؛ تواضع يضعه عاليا عاليا".

أما سماحة الشيخ الراحل عبد الرحمان شيبان، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين آنذاك، فاعتبر، من جهته، المحتفى به "ظاهرة ثقافية، أدبية، تربوية، أخلاقية، دينية ووطنية، مشيرا إلى أن معرفته به تمتد في الزمن، إلى مرحلة دراسة الأستاذ الصديق في تونس، قال: "عرفته طالبا يحظى بالحب والتقدير، مجاهدا متفانيا في أداء واجبه بكل انضباط وثبات. عرفته دبلوماسيا يتكيف مع كل الذهنيات. عرفته أستاذا ممتازا حصيفا في تعامله مع الآخر. عرفته جادا في مجال إحياء التراث الثقافي الوطني. عرفته في ميدان التأليف فارسا على مختلف الجبهات. عرفته أديبا تستهويه الجملة الجميلة. وأعرفه حاليا في حركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين".

وتحدّث الدكتور عبد الرزاق قسوم عن الأستاذ الصديق قائلا: "عندما تتعطل لغة الكلام أمام مثالية القيم وتتقزم الكلمات أمام عظمة المعنى، ينتصب واقفا أحد العظماء، وهو ما يمثله الأستاذ الصديق.. هو الذي أخذ من شموخ جبال جرجرة سموّها، واقتبس من أشجار الزيتون اخضرارها، ومن عطاء وطننا سخاء وسعة خلقه.. هو الناسك المتبتل في محراب العلم، المجاهد المقاوم ضد طغيان الظلم، ذو قلب معلق دوما بحب الوطن ووحي السماء". وأضاف أن الأستاذ محمد الصالح الصديق يتميز بالتنوع المعرفي داخل الوحدة الثقافية، وبأنه معادلة جزائرية، يصعب فكها على ذوي الإيديولوجية المحدودة.. "ثابت الأصول، عقله مرتبط بالوحي، وقلبه نابض بالوعي".