مارت لوس تعرض لوحاتها بمؤسسة "عسلة"
عرفان ومحبة للجنوب الجزائري
- 187
لطيفة داريب
اختارت الفنانة الرسامة البلجيكية مارت لوس، الجنوب الجزائري، مادة أساسية لمعرضها المقام بمؤسسة "عسلة"، تحديدا الأضرحة التي زارتها رفقة ابنها، والتي نتج عنها لوحات عديدة وإصدار كتاب بتوقيع ابنها.
استلهمت الفنانة مارت لوس أعمالها من البيئة المحلية لمدينة الجلفة، التي استقرت فيها بعد زواجها من جزائري، وزودتها بالكثير من العناصر بعد زيارتها لمختلف الأضرحة الموزعة في الجزائر، بالأخص التي تقع في الجنوب، حيث طلبت من ابنها الذي كان رفيقها في الرحلة، بعد وفاة زوجها، بالتقاط صور عنها، لكي ترسمها فور عودتها إلى الدار، وهو ما كان، أبعد من ذلك، فقد استلهم ابنها مالك كردال من هذه الرحلة، وكتب مؤلفا عنها.
تعود علاقة مارت لوس بالفن إلى سنوات الطفولة، حيث نشأت في عائلة تهتم بالفن وزيارة المتاحف، وكان والدها شغوفا بالألوان المائية (الأكواريل)، وهي التقنية التي تبنتها لاحقا، وجعلت منها وسيلتها الأساسية في التعبير. غير أن التحول الحاسم في مسارها، جاء بعد ارتباطها بالجزائر، إثر زواجها واستقرارها في منطقة الجلفة، حيث بدأت تكتشف البيئة المحلية، ليس كزائرة، بل كجزء من نسيجها اليومي.
ارتباط مارت بالمكان لا يظهر فقط كموضوع، بل كحس بصري يتجلى في معالجتها للون والضوء، فالضوء في الجنوب، شديد الإشعاع وساطع بشكل كبير، أما اللون فأغلب ما نراه في لوحات الفنانة مرتبط بعناصر الطبيعة فيها، كالأمغر والأحمر. بالمقابل تحبذ مارت استعمال عدة تقنيات في لوحاتها، مثل الأكوارال والأركيليك واللصق، حيث عملت في أكثر من لوحة على إلصاق رسومات صغيرة حول الطبيعة والإنسان والمنازل.
يضم معرض مارت المعنون بـ« آفاق متغيرة"، لوحات تقدم للزائر تجربة فنية متكاملة، لعشق المرأة لكل ما يمت للجلفة من صلة، ومن خلالها لكل ما يتعلق بالجنوب الجزائري، وهي ثمرة رحلة الفنانة إلى الأضرحة وحتى إلى الحياة اليومية لساكنة هذا الجزء الكبير من الجزائر القارة، تتوزع بين بورتريهات ومناظر طبيعية وأخرى عمرانية وقعدات جماعية، إلى جانب أعمال تستلهم اللباس التقليدي والروحانيات.
في عدد من اللوحات، تبرز شخصيات منفردة، غالبا بملامح غير محددة، ترتدي أزياء تقليدية وتحمل عناصر بسيطة، هذه الشخصيات تبدو أقرب إلى رموز إنسانية منها إلى أفراد محددين، حيث تختزل الفنانة التفاصيل لصالح حضور صامت، يحمل في داخله ذاكرة محفوظة، ونجد في بعض خلفيات اللوحات، كتابات عربية تتحول إلى عنصر بصري، يوحي بالثقافة والهوية.
في لوحات أخرى، تحضر المدينة كموضوع مركزي في عدة أعمال، لكن ليس بوصفها فضاء واقعيا، بل كذاكرة متخيلة، وهنا تعيد الفنانة تشكيل القرى والمدن عبر رسومات هندسية مبسطة، حيث تترابط البيوت بشكل بعيد عن المنظور التقليدي. الألوان هنا زاهية ومتنوعة، تتراوح بين البرتقالي والأزرق والأصفر، وتظهر عناصر، مثل النخيل، القمر والطيور، ما يمنح هذه اللوحات طابعا حيويا وحلميا في آن واحد.
كما يبرز حضور الجماعة في عدد من الأعمال، من خلال مشاهد دائرية لتجمعات بشرية، توحي بطقوس أو احتفالات. في هذه اللوحات، تربط الفنانة بين الشخصيات ومركز الحدث، ما يخلق حركة داخلية وتوازنا بصريا. أما عن الألوان فهناك الدافئة، خاصة الأحمر والبني، تعزز الإحساس بالانتماء، فيما يرمز الشكل الدائري إلى الوحدة والاستمرارية، وكأن اللوحة تستحضر روح الجماعة ككيان واحد.
ولا تغيب الروحانيات عن هذا المعرض، حيث تستلهم الفنانة قبب الأضرحة، التي شاهدتها خلال رحلاتها، وتحولها إلى رسومات تحمل أبعادا رمزية. كما تولي عناية خاصة باللباس التقليدي، خاصة لباس الرجال، مثل القشابية والبرنوس والشاش، والذي ما يزال يُحتفظ به كعادة، عكس النساء اللواتي تخلت أغلبهن عن لباسهن التقليدي، كالحايك.