في ذكرى رحيل مولود معمري

عاصمة جرجرة تطلق برنامجها الاحتفالي

عاصمة جرجرة تطلق برنامجها الاحتفالي
  • 133
مريم. ن مريم. ن

أحيت دار الثقافة بولاية تيزي وزو الذكرى 37 لرحيل الباحث والأديب مولود معمري، من خلال برنامج ثقافي وفنيّ متنوّع، يعيد استحضار تراث معمري؛ كي يكتشفه الجيل الجديد، مع وقفة خاصة مع النشاطات الفنية المرافقة.

شهد الافتتاح، أوّل أمس، إقامة معرض خاص بحياة وأعمال الراحل معمري، زيادة على معرض خاص، يتضمّن مجموعة من بورتريهات مولود معمري، من إنجاز الهواة المنخرطين في ورشات الفنون التشكيلية بدار الثقافة، وكذا معرض للرصيد الوثائقي للمكتبة. تلاه نصف نهائي الطبعة الخامسة من مسابقة الأغنية الشعبيّة "الموهوب" لجائزة احسن ميزاني، بمشاركة الجمعية الثقافية "ابتوران" .

كما شهدت ملحقة دار الثقافة "مولود معمري" بعزازقة، إقامة معرض حول حياة وأعمال معمري، مع إنجاز بورتريهات له من طرف منخرطي ورشة "الرسم للكبار" بنفس الملحقة، زيادة على المعرض الوثائقي للمكتبة. وكان الموعد في السهرة مع عرض فني؛ تكريما لمولود معمري، نشّطه الفنانان جمال كلوم، ومالك باشي. من جهة أخرى، أحيت هذه الذكرى مكتبات المطالعة العمومية الجوارية بمعارض حول حياة وأعمال الراحل، وورشات ومسابقات ومحاضرات، وغيرها من النشاطات.

للإشارة، لايزال العمل الفكري والأنثروبولوجي لمولود معمري، إرثا مهمّا، ومرجعا للحفاظ على التراث الوطني غير المادي. فمعمري (1917–1989) من أبرز الشخصيات الثقافية والفكرية في تاريخ الجزائر المعاصر، إذ جمع بين الأدب والبحث اللغوي والأنثروبولوجي. وأسهم بعمق في بلورة الوعي بالهوية الجزائرية في بعدها التعدّدي، دون أن يخرج عن الإطار الوطني الجامع. وضمن ما جاء في صفحة "واقع الجامعة الجزائرية"، لم يكن معمري مجرّد روائي أو باحث أكاديمي، بل كان مشروعا فكريا متكاملا. آمن بأنّ الثقافة شكل من أشكال المقاومة، وبأنّ الذاكرة الجماعية ركيزة أساسية لبناء الدولة والأمة.

ونشأ الراحل في وسط أمازيغي محافظ، تشكّلت فيه شخصيته الأولى على قيم الجماعة، والارتباط بالأرض، واحترام الكلمة الشفوية التي كانت وسيلة نقل الحكمة والتاريخ. وتلقّى تعليمه الأوّلي في الجزائر. ثم واصل دراسته في فرنسا، حيث اطّلع على المناهج الحديثة في الأدب، والعلوم الإنسانية دون أن يفقد صلته العميقة بجذوره الثقافية. وعايش معمري فترة الاستعمار الفرنسي بكلّ ما حملته من تهميش للهوية الوطنية، ومحاولات طمس الثقافة المحلية. لم يكن من دعاة العنف، لكنّه آمن بأنّ المقاومة الثقافية لا تقلّ شأنا عن المقاومة المسلحة، فاختار الكتابة والبحث سبيلا للدفاع عن الإنسان الجزائري، وعن لغته، وذاكرته وتاريخه.

وبرز مولود معمري كروائي مبكرا. واستطاع من خلال أعماله أن ينقل صورة دقيقة عن المجتمع الجزائري، وتحوّلات من رواياته "الربوة المنسية (1952)" ؛ رواية تعكس معاناة القرية الجزائرية، وصراعها مع الحداثة المفروضة. ثم "الأفيون والعصا" (1965). وهي من أهم الروايات الجزائرية. تناولت الثورة التحريرية من زاوية إنسانية عميقة. وحُوّلت لاحقا إلى فيلم سينمائي شهير. وكذلك "العبر" (1982). وهي رواية فكرية تأملية، تطرح أسئلة الذاكرة، والهوية والانتماء. وتميّز أسلوبه بالبساطة العميقة، واللغة الهادئة، والبعد الرمزي بعيدا عن الخطاب الإيديولوجي المباشر.

وبعد الاستقلال التحق معمري بجامعة الجزائر أستاذا وباحثا. وأسهم في تأسيس الدراسات الأمازيغية على أسس علمية. واهتم بجمع التراث الشفهي، وتدوينه. وكان يرى أنّ ضياع الذاكرة الشفوية يعني ضياع جزء من التاريخ الوطني. ومن أبرز أعماله في هذا المجال "أشعار سي محند: جمع وتحقيق لشعر أمازيغي شفهي"، و "نحو أمازيغي: محاولة رائدة في تقعيد اللغة الأمازيغية" ، و«دراسات أنثروبولوجية حول المجتمع القبائلي وبناه الثقافية" . وتميّز مولود معمري بموقف متوازن، إذ دافع عن الأمازيغية بوصفها مكوّنا أصيلا من الهوية الجزائرية. ورفض التوظيف السياسي الضيّق للثقافة. وآمن بأنّ الوحدة الوطنية لا تُبنى بالإقصاء، بل بالاعتراف. والتكامل يؤمن بالجزائر واحدة موحّدة.

وتوفي مولود معمري يوم 26 فيفري 1989 في حادث مرور قرب عين الدفلى أثناء عودته من نشاط علمي. وشكّلت وفاته خسارة كبيرة للثقافة الجزائرية، غير أنّ إرثه بقي حيا من خلال كتبه، وتأثيره في الأجيال اللاحقة من الباحثين والمثقفين. وتحمل اسمه اليوم مؤسّسات ثقافية وأكاديمية. وتُدرَّس أعماله في الجامعات داخل الجزائر وخارجها.