الكاتب والمترجم محمد ساري لـ «المساء»:
ضرورة تكاتف الجهود لنهضة الثقافة الإفريقية
- 607
❊ حاورته: لطيفة داريب
شارك الكاتب والمترجم محمد ساري، مؤخرا، في الندوة الأولى للكتّاب الأفارقة بمداخلة «ترقية الأدب والقراءة العمومية، دور الكتّاب الأفارقة في تدعيم الهوية الإفريقية: تقاسم القيم واندماج». وبغية معرفة تفاصيل هذه المشاركة اتصلت «المساء» بمحمد ساري، فكان هذا الحوار.
— ❊ شاركت في أكرا، مؤخرا، في الندوة الأولى للكُتّاب الأفارقة، وكان موضوعها «ترقية الأدب والقراءة العمومية، دور الكتّاب الأفارقة في تدعيم الهوية الإفريقية»، هل يمكن أن تحدّثنا عن ذلك؟
❊❊ الندوة التي نظمها الاتحاد الإفريقي بالاشتراك مع الجمعية الإفريقية للكتاب ومؤسسة ثابو أمبيكي، كان هدفها الأساس توفير أرضية مشتركة للحوار، وتبادل التجارب بين الكتّاب الأفارقة كي يخرجوا بتوصيات عملية حول الوسائل والسبل الممكنة لترقية القراءة العمومية والكتابة الإبداعية، وتشجيع الشباب على الإنتاج الأدبي.
دامَت الندوة ثلاثة أيام كاملة، وناقش المشاركون دور الكتّاب الأفارقة في تدعيم الهوية الإفريقية عبر تيمات متنوعة، لكنها منصبّة حول الكتاب وأفضل السبل لترقيته في محاور متعددة؛ الأدب الكولونيالي والمابعد الكولونيالي (كيف نطهر التاريخ الأدبي من الإيديولوجية الاستعمارية؟)، دور المرأة في الأدب (المرأة الكاتبة وصورة المرأة في الأدب)، اللغات والآداب الإفريقية (كيف ننتقل من الشفهية إلى الكتابة؟)، الشباب والأدب (كيف نوفّر للشباب كل الإمكانيات والحظوظ ليفجّروا طاقاتهم الإبداعية؟، الأدب والتعليم (كيف نثمّن الكتابات الأدبية الإفريقية بإدخالها إلى المقررات الرسمية التعليمية؟)، حقوق المؤلف وحماية الأدب الإفريقي وترقيته (كيف نخلق ونطور مؤسسات وطنية وإفريقية لحماية حقوق المؤلف والسماح للكتّاب بتكريس كل جهدهم للعمل الإبداعي؟). وبما أن هذه الندوة نظمها الاتحاد الإفريقي فكلفتني وزارة الثقافة بتمثيل الجزائر بالمشاركة ككاتب في أشغال هذه الندوة رفقة المسؤول عن المكتبات الرئيسة والقراءة العمومية.
❊— كانت مداخلتكم حول «التقليد والحداثة في الأدب الجزائري»، هل يمكن أن تكشف لنا عن الخطوط الكبرى لهذه المداخلة؟
❊❊ تناولت إشكالية الهوية عبر زاوية الثنائية بين التقليد والحداثة في الأدب الجزائري المعاصر. وقد ميّزت بين مرحلتين؛ الأدب المكتوب في الفترة الاستعمارية، وأدب الاستقلال.
كان الكاتب الجزائري في مسعى دائم لاسترجاع هويته التي سلبها وشوّهها الاستعمار لسنوات طويلة، لكن هذا المسعى تشوبه عراقيل متعددة. إن الهوية مثلما تعاش داخل المجتمع، لا تستجيب دائما لآمال الجزائريين خاصة بعد الاستقلال. إن التقاليد تحدّد جزءا هاما من الهوية، لكن بعض عناصرها قديمة تعيق تطور المجتمع، فكثيرا ما تستخدمها قوى سياسية لكبح تطور المجتمع نحو عدالة أكثر، باعتبار هذه التقاليد نفسها أنتجتها قوى مجتمعية مهيمنة للدفاع عن مصالحها في فترة تاريخية معيّنة. في المرحلة الأولى، كان الكتاب يسعى لاسترجاع الهوية المسلوبة ويُثمِّن عناصرها مهما كانت، وهي إجابة للاستعمار، حتى وإن كتبت بالفرنسية، ليقول الكاتب الجزائري، حسب كاتب ياسين، إنّه يكتب بالفرنسية ليقول للفرنسيين أنه ليس فرنسيا. ونلاحظ هذا التوجه عند كل من مولود فرعون ومحمد ديب ومولود معمري وكاتب ياسين، وكذا الشعراء الذين كتبوا بالعربية ونشروا في جرائد ومجلات جمعية العلماء المسلمين، وأعلوا من شأن العربية والإسلام وكل ما يحمل من قيم الهوية الجزائرية.
لقد تغيرت نظرة الكاتب في فترة الاستقلال، وندد الكتاب بالتقاليد البالية، خاصة ما تعلّق بوضع المرأة داخل المجتمع التقليدي. نراه جيدا في رواية «التطليق/الإنكار» لرشيد بوجدرة ورواية «ريح الجنوب» لعبد الحميد بن هدوقة. لقد ثار هذان الكاتبان وغيرهما ضد التطليق المتعسف للمرأة وضد تزويج الفتيات بدون أخذ برأيهن. كما تناولت قضية التاريخ وكيف عالجه الكتّاب، سواء ما تعلّق بالماضي البعيد أو الماضي الاستعماري. بعد الاستقلال أدرك الكاتب الجزائري أن الصراع ضد الهيمنة الغربية لا ينبغي أن يرجعه إلى ماض سحيق، ويجعله خارجا عن الحداثة والتطور التاريخي الزاحف، بل عليه إظهار الجوانب الإيجابية للتقاليد، وكذا الجوانب السلبية التي قد تعيق التطور، والتأكيد على أهمية الحداثة بدون الذوبان في الهوية الغربية المهيمنة عبر وسائل الاتصال الحديثة والتكنولوجيات الرقمية.
— ❊أكيد أن التبادل بين المشاركين كان ثريا وذا اهتمام كبير؛ ماذا تقول عن هذه التجربة؟ وهل يعيش الكتّاب الأفارقة وضعية مماثلة لنا؟
❊❊ بالفعل كان التبادل ثريا جدا، وسمح بالتعرف أكثر على وضعية الكتاب الأفارقة التي ليست دائما لصالح الكتّاب. إن عراقيل النشر عديدة، والمقروئية ضعيفة نظرا للمشاكل الاقتصادية التي يعيشها المواطن الإفريقي ونسبة الأمية المرتفعة.
في المقابل، إن وضع الأدب الشفهي والأغنية الشعبية لايزال متوهجا، وهو ما يشكل الجزء الظاهر للهوية الإفريقية، ومع ذلك فإن سبل الانتشار والتوزيع التقليدية وتعدد وتنوع اللغات المحلية تحول دون ترقيتها بالشكل المأمول، وتبقيها في بيئتها التقليدية، مانعة ترقيتها وانتشارها عبر العالم. لاحظت حماسا لا نظير له عند الكتّاب الأفارقة لترقية الأدب الشفهي واللغات الإفريقية عبر مؤسّسات أسسها الاتحاد الإفريقي، كالأكاديمية الإفريقية للغات ومقرها باماكو بمالي، والتي تعمل على «تشجيع بلورة سياسات لغوية مجسّدة وتبادل التجارب في صياغة هذه السياسات، والعمل على تطبيقها على أرض الواقع من قبل الدول الإفريقية. وقد أكد المشاركون على أهمية أن تصادق الدول الإفريقية على «ميثاق النهضة الثقافية الإفريقية» لتسهيل وضع مخطط عمل لتسهيل العمل ببنود هذا الميثاق الثقافي.
❊ حسبكم ووفق التبادلات التي أجريتموها في أكرا، كيف هي وضعية الكاتب الجزائري؟
❊❊ ينبغي الاعتراف بأن الكاتب الجزائري في وضعية أريح نسبيا، على الأقل بالنسبة لسهولة النشر عندنا، بفضل صندوق دعم الإبداع لوزارة الثقافة، الذي استفاد منه الكتّاب والناشرون معا. لقد تدخلت وبيّنت هذه التجربة الجزائرية، خاصة في شق المصدر المالي للصندوق، الذي يتغذى من علاوات أقرتها الدولة على مؤسسات الهاتف النقال، والصندوق الخاص بمساعدة الكتّاب الموجود لدى الديوان الوطني لحقوق المؤلف، الذي يتغذى هو أيضا من أتاوات على آلات النسخ. وقد ثمّن الحاضرون هذه المبادرة التي تبحث عن تمويل دائم للكتاب والفن عند المؤسسات الخاصة. كما تحدثت عن تجربة الجزائر في ترقية اللغة الأمازيغية التي أصبحت لغة وطنية ورسمية وتدرّس في كل مراحل التعليم الرسمي، بينما أغلبية اللغات الإفريقية لاتزال شفهية، لم تدخل بعد ميدان الكتابة، ناهيك عن التعليم الرسمي.
— ❊ ما هي آفاق هذه الجلسات؟ هل انتهت بتوصيات؟ وهل هناك لقاءات مبرمجة مستقبلا؟
❊❊ لقد تَشكّل مكتب للتوصيات، وكانت الجزائر حاضرة. وصاغ المكتب التوصيات التي قدّمها المشاركون طوال النقاش، وفق تيمات الندوة. يمكن القول إن ممكنات ترقية الأدب الإفريقي والقراءة العمومية وتحفيز الشباب على الكتابة والقراءة ضخمة لو عرفنا كيف نستثمرها، فعلى سبيل المثال، يوجد حوالي نصف مليار مشترك في الهاتف النقال، أغلبهم من الشباب الذين أضحى الهاتف الوسيلة الوحيدة للتعامل مع العالم الخارجي، ما يشكل كنزا ثمينا، سواء ما تعلق بالتمويل أو التشجيع على القراءة. كما تحدّث ممثلو بعض الدول عن تجربة «المكتبات المتنقلة عبر الحافلات»، وهذا يساعد على التواصل مع شباب وأطفال القرى البعيدة، وهي تجربة خاضتها الجزائر أيضا. إنها توصيات عديدة وفي كل الموضوعات المدرجة ضمن نقاش الندوة، ولكن كل هذه التوصيات ستبقى حبرا على ورق إن لم تفعَّل على أرض الواقع. ويمكن عبر «ميثاق النهضة الثقافية الإفريقية» أن تتكاتف الجهود عبر قواسم مشتركة لجميع الدول الإفريقية لنهضة فعلية للثقافة الإفريقية.
❊ حاورته: لطيفة داريب