البروفيسور حيولة ضيف المنتدى الثقافي:

ضرورة إنجاز منظومة معرفية عربية خالصة

ضرورة إنجاز منظومة معرفية عربية خالصة
أستاذ الأدب المقارن والدراسات الثقافية المعاصرة بجامعة المدية، البروفسور سليم حيولة
  • 1240
 لطيفة داريب  لطيفة داريب

استضاف المنتدى الثقافي الجزائري في عدده الأخير، أستاذ الأدب المقارن والدراسات الثقافية المعاصرة بجامعة المدية، البروفسور سليم حيولة، للحديث عن "قضايا الدرس الثقافي المعاصر، إنتاج المعرفة في ظل التحولات الفكرية للنظرية ما بعد الكولونيالية"، حيث دعا إلى إنجاز منظومة معرفية عربية، تحقق الانفصال عن المناهج والرؤى الغربية والمفاهيم التي تكرست في المعرفة العربية، التي لم تعد تُنتج، بل تستهلك معرفة أجنبية، مرتبطة بسياقات فكرية وإيديولوجية واجتماعية مختلفة عن سياقاتنا.

استهل البروفيسور الحديث عن ضرورة مواكبة أحدث الدراسات الأكاديمية في مجال الدرس المقارن المعاصر، الذي يهتم بدراسة الثقافات العالمية في صراعاتها، فلا يُعقل أن نرى دراسات أكاديمية تهتم بدراسة منظومات فكرية مر عليها أكثر من عشرين سنة، على اعتبار أن فترة ما بعد الكولونيالية قد انتهت، وظهر عصر فكري جديد لا بد من إدراك ماهيته وخصوصياته، والقضايا التي تُكون محور النقاشات المعاصر في علاقات الثقافات بعضها ببعض.

الكولونيالية.. فترةٌ فكرية

ذكّر حيولة بأن الكولونيالية هي فترة فكرية، طغت فيها أنساق ثقافية غربية في حق الشرق. اهتمت الدراسات حولها، باستخراجها وتوضيح مضمونها وأسبابها الفكرية، التي تعود لطبيعة الثقافة الغربية ومنظومتها المعرفية، المتمركزة حول نفسها، والمنطلقة من مبادئ فلسفية ومعرفية لا تُوجد سوى لديها، حيث تطغى العقلانية، التي هي مصدر المعرفة لا التجريب والحس. وتابع: "لذلك فالذات العارفة الكانطية هي مصدر المعرفة حول الشرق، بالإضافة إلى التطورية، حيث مرت أوربا بمراحل وتطورات، وهو ما لم يمر به الشرق، لذلك فعلى الغرب أن يستعمر بلدان الشرق، من أجل جعلها تتطور عنوة، وهي فكرة تدل على تبرير غير منطقي للاستعمار.

وقد كان الشرق في هذا الإطار، والجزائر جزء هام منه، يُرى متخلفا وبربريا وبدائيا، وغيرها من التمثيلات السلبية. وقد فصل المقارن الأمريكو-فلسطيني إدوارد سعيد في كتبه من مثل "الاستشراق" و"الثقافة والإمبريالية" و"تغطية الإسلام"، فصل الحديثَ عن التمثيلات التي قدّمها خطاب الاستشراق؛ باعتباره "منظومة فكرية متسقة، تقدم تمثيلات سلبية ثابتة عن الشرق". وتابع مجددا أنه يلاحظ في هذه الفترة التي درسها إدوارد سعيد، أن الغرب كان في غربه والشرق في شرقه. أما فترة ما بعد الكولونيالية فهي تلك الفترة الفكرية، التي حاول الشرقي فيها، التكلم عن نفسه، والحضور نصيا من أجل الكلام وإبراز خصوصياته.

استراتيجية المقاومة الثقافية

وقد اهتمت الدراسات مابعد الكولونيالية، بإبراز خصوصيات الكتابة في هذه الفترة، حيث برزت استراتيجية كتابة سُميت بـ "الرد بالكتابة" أو "المقاومة الثقافية"؛ إذ نجد نصوصا أدبية تُحاول الرد على نسقية الثقافة الغربية. ومثال ذلك رواية "مورسو؛ تحقيق مضاد: للكاتب الجزائري "كمال داود"، الذي أنطق الجزائري الصامت في نص "الغريب" لألبير كامو. كما تتميز هذه الفترة بظهور عدد من المفاهيم، مثل"الهجنة الثقافية"، و«المفاوضة على الوضع البيني الهجين"، وهي مفاهيم جاء بها أحد نقاد ما بعد الكولونيالية، الأمريكي ذو الأصول الهندية "هومي بهابها" في كتبه، وأهمها "الأمة والسرد"، و"موقع الثقافة".

لقد حصل تغير في بنية المجتمعات الغربية، أصبحت، بموجبه، مزيجا من المهاجرين، الذين غدَوا يُمثلون طبقة لا يمكن نكرانها في نسيج مجتمعاتها المعاصرة. وأصبح مطلوبا منهم الاندماج والتنازل عن بعض من خصوصياتهم الوطنية، من أجل تحسين وضعهم في بلدان أوربا وأمريكا. ويعود البروفيسور سليم حيولة للحديث عن موضوع مداخلته، ويقول إن فترة ما بعد الكولونيالية قد انتهت، بناء على أحدث الدراسات في هذا المجال. وفي هذا الإطار لم يعد مطلوبا من الشرقي، أن يتكلم، ولا أن يبرز حضوره، لأن، كما يقول المقارن الأمريكو-إيراني حميد دباشي، "أوربا، اليوم، ميتة"، ويعني بذلك أن المنظومة المعرفية الغربية لم تعد تُنتج معرفة منظمة عن الشرق.

إحداث "عصيان" معرفيّ

وقد جاء بمفهوم "إبيستيميك آندأوسموزيس"، بمعنى نهاية التفاعل بين الغرب والشرق معرفيا. وبما أن الأمر كذلك فالمطلوب من الشرق هو إنجاز منظومة معرفية خاصة تُحدث "عصيانا معرفيا" مع المنظومة المعرفية الغربية المتمركزة حول الذات، كما يرى ذلك المفكر الأمريكو-أرجنتيني والتر ميغنولو، فالغرب لم يعد محاورا جيدا لغيره من الشعوب والثقافات، لأن التمثيلات التي ظهرت منذ نهاية القرن الثامن عشر، ماتزال حاضرة اليوم في الأدب وفي وسائل الإعلام، واتخذت طابع الصنمية كما يرى إدوارد سعيد في كتابه" تغطية الإسلام". وبناء على كل هذا يؤكد أديتيا نيغام، أن فترة ما بعد الكولونيالية قد انتهت، وعليه "يجب أن ننجز منظومتنا المعرفية بعيدا عن خصوصيات المعرفة الغربية، وجوهرها الفكري".

والمطلوب، اليوم، حسب البروفسور حيولة، هو إنجاز منظومة معرفية عربية، تحقق الانفصال عن المناهج والرؤى الغربية والمفاهيم التي تكرست في المعرفة العربية، التي لم تعد تنتج، بل تستهلك معرفة أجنبية مرتبطة بسياقات فكرية وإيديولوجية واجتماعية مختلفة عن سياقاتنا. وإن المضي في هذا العمل يتطلب جهودا جبارة من أجل الوصول إلى الهدف المنشود، الذي سيتم، بموجبه، وضع مشروع نهضة عربي، يحقق للإنسان الحرية والتماهي مع جوهره الهوياتي.