ليالي موسيقية استثنائية في أوبرا الجزائر

صرامة كلاسيكية وهوية ثقافية نابضة

صرامة كلاسيكية وهوية ثقافية نابضة
  • 132
د. مالك د. مالك

احتضنت أوبرا الجزائر "بوعلام بسايح"، أول أمس، سلسلة أمسيات موسيقية، ضمن فعاليات المهرجان الثقافي الدولي الخامس عشر للموسيقى السيمفونية، لتقدم لجمهورها تجربة متنوعة، تعكس ثراء الموسيقى العالمية وتعدد أصولها، من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية وإفريقيا. شهدت السهرات الثلاث حضور فرق شابة وواعدة وأخرى مخضرمة، قدمت عروضًا جمعت بين الصرامة الكلاسيكية والديناميكية التعبيرية، مع لمسات متفردة مستوحاة من الهوية الثقافية لكل فرقة.

قدمت هذه البرامج الموسيقية نموذجًا حيًا للتنوع والتلاقح الفني بين المدارس الموسيقية المختلفة، من الدقة الكلاسيكية الأوروبية إلى الانطباعية الإسبانية، وصولًا إلى الباروك اللاتيني المعاصر، مع الحفاظ على الهوية الثقافية لكل تجربة، حيث التقاء الطموح الشاب بالإبداع الراسخ، في أمسية تذكر بأن الموسيقى قوة توحد وتلهم وتفتح آفاقًا جديدة للجمهور، على اختلاف أصوله وتطلعاته.

بين الكلاسيكية الأوروبية والروح الإفريقية

افتتحت سلسلة الأمسيات برباعي وترٍ أنغولي شاب، الذي قدم عرضًا يجمع بين الدقة الأوروبية ودفء الموسيقى الإفريقية. برز كل من إليسيو بيدرو (كمان أول)، إليسيو دالا (كمان ثان)، سيزاريو لوبيز (فيولا)، وأنطونيو دانيال (تشيللو) في أداء متجانس، يحمل طاقة خام مصقولة، وينقل حضورًا هادئًا مشحونًا بالتركيز. بدأ الرباعي بأعمال موزارت وبيتهوفن، لتكون قراءة كلاسيكية دقيقة وشفافة، قبل أن يتحول إلى مقطوعة "شورو دي أوليفيرا" للمؤلف أنجوس، مستوحاة من الفلكلور الأنغولي، حيث تجلت روح الموسيقى الشعبية الإفريقية عبر إيقاعات حيوية وجمل لحنية غنية ودافئة، مع إبراز دور التشيللو كقاعدة إيقاعية، والفيولا كحلقة وصل بين الطبقات الصوتية. كانت الأمسية شهادة على صعود جيل جديد، يسعى لمزج الإرث الكلاسيكي الأوروبي بالذاكرة الموسيقية الإفريقية.

الحوار الموسيقي بين تورينا ورافال.. الرباعي الإسباني

أما الوصلة الإسبانية، فقدمتها مجموعة "رباعي غيرهارد"، في عرض متألق جمع بين الأندلسية والانطباعية الفرنسية. تميز البرنامج بمقطوعات خواكين تورينا "صلاة مصارع الثيران" وموريس رافال "الرباعية الوترية في سلم فا الكبير"، حيث ارتفعت درجة التعبير الموسيقي تدريجيًا، مع حوارات دقيقة بين الآلات الأربع. عرض الرباعي حساسية صوتية استثنائية وعمقًا في الانسجام الداخلي، مع احترام واضح للتقاليد الموسيقية الإسبانية والانطباعية الفرنسية. تفاعل الجمهور بحرارة مع العرض، مؤكدًا أن الرباعي الإسباني أحد أبرز الفرق الواعدة في أوروبا.

أوركسترا "سيمون بوليفار".. لقاء بين الباروك الأوروبي والهوية اللاتينية

اختتمت الليلة، بأداء أوركسترا باروك "سيمون بوليفار" من فنزويلا، التي قدمت برنامجًا غنيا يمزج بين عراقة المدرسة الأوروبية ونبض الهوية اللاتينية. تنقل الجمهور بين أعمال فيفالدي وهاندل، مع التركيز على الكونشرتو جروسو والمتتاليات الباروكية، قبل أن تنتقل الأوركسترا إلى إيقاعات وفوغ كريولا للفنزويلي خوان باوتيستا بلازا، وصولًا إلى أعمال ألدمارو روميرو و«مينويت دي لا بينكا" لخوان كارلوس هيدالغو، حيث تمازجت الألحان الكلاسيكية مع الإيقاعات الشعبية، في لوحة متناغمة من الحداثة والتقليد. كانت الأمسية، تجسيدا حقيقيًا للقدرة الموسيقية على تجاوز الحدود الثقافية والزمنية، لتؤكد أن الموسيقى لغة عالمية متجددة.