المخرج الكبير لمين مرباح يترجل

صانع الصورة وشاهد على عصره

صانع الصورة وشاهد على عصره
المخرج الجزائري الكبير محمد لمين مرباح
  • 233
مريم. ن مريم. ن

ترجل المخرج الجزائري الكبير محمد لمين مرباح، عن عمر ناهز 80 عامًا، بعد مسيرة فنية حافلة، ترك خلالها بصمة راسخة في تاريخ السينما الجزائرية، من خلال أعمال وثقت محطات بارزة من تاريخ الوطن، وأسهمت في ترسيخ هوية سينمائية أصيلة. وبرحيله، تفقد الجزائر واحدًا من أبرز صناع الصورة، الذين كرسوا تجربتهم لخدمة الفن السابع، وظلوا أوفياء لذاكرة الوطن وقضاياه، لتبقى أعماله شاهدة على موهبته ومواقفه الوطنية ومسيرته الإبداعية الممتدة لعقود.

يعد محمد لمين مرباح من أبرز المخرجين الجزائريين، وقد ترك وراءه مسيرة فنية حافلة واستثنائية، أسهم خلالها في ترسيخ هوية سينمائية جزائرية أصيلة. حيث ولد في 28 جويلية 1946 بمدينة تيغنيف (ولاية معسكر)، وهو أيضًا ابن مولاي مرباح، أحد رموز الحركة الوطنية الجزائرية. كان الراحل مرباح صانعًا للصورة وشاهدًا على عصره، كرس حياته لرواية قصة الجزائر بإحساس وذكاء وأصالة. ومن خلال أفلامه وأعماله الوثائقية والتزامه بخدمة الفن السابع، ساهم في الحفاظ على الذاكرة الجماعية. توقفت حياة حافلة بالعطاء، لكن الأثر يبقى بكل ما يحمله من قيم ونضال وانتماء، وهو ما يؤكد أن الفن السابع ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل هو أيضًا أداة لنقل الذاكرة وتجارب الأجيال صوتًا وصورة.

مسار حافل بالتجارب والروائع

بعد أن أنهى لمين مرباح تعليمه الابتدائي في مسقط رأسه قصر الشلالة (ولاية تيارت)، وتعليمه الثانوي بثانوية "بن شنب" بمدينة المدية، التحق سنة 1964 بالمعهد الوطني للسينما، حيث واصل دراسته إلى غاية سنة 1967. وفي سنة 1968 أُوفد إلى بولندا كمتربص لدى التلفزيون البولندي.

عمل مخرجًا في التلفزيون الجزائري، وأنجز العديد من الأفلام الوثائقية والمسلسلات والأفلام، ومن أشهر أعماله فيلم "المغتصبون" سنة 1972، وفيلم "المقتلعون" سنة 1976. ومن سنة 1988 إلى غاية سنة 1995، تولى إدارة المؤسسة الوطنية للإنتاج السمعي البصري، ثم أسس سنة 2003 شركة الإنتاج السمعي البصري "أمين إنتاج". وخلال الفترة الممتدة من 1970 إلى 1971، ساهم لمين مرباح مساهمة كبيرة في نجاح أول مجلة جزائرية للقصص المصورة "مقيدش"، حسبما نشره الكاتب لزهر لبتر، حيث كتب لها العديد من السيناريوهات المتميزة.

وفي الدورة السادسة لمهرجان الجزائر الدولي للقصص المصورة سنة 2006، نال "جائزة التراث سيد علي ملواح"، تقديرا لإسهاماته في تطوير فن القصص المصورة ضمن مجلة "مقيدش"، بصفته كاتب سيناريو، إلى جانب حميد جمعة، الذي كان قد نظم سنة 1986 مهرجان القصص المصورة ببرج الكيفان، عندما كان يشغل منصب رئيس البلدية.

"بني هندل"..شاهد على الهمجية

ابتداء من سنة 1970، عمل الراحل مرباح بالتوازي مع الدار الوطنية للنشر والتوزيع، كما اشتغل مخرجًا بالإذاعة والتلفزيون الجزائري. وفي سنة 1988 عُين مديرًا عامًا للمؤسسة الوطنية للإنتاج السمعي البصري، وظل في هذا المنصب إلى غاية سنة 1995، حيث أصيب بمرض اضطره إلى ملازمة الفراش لسنوات طويلة. وفي سنة 2002 عاد إلى الإخراج، فأنجز مسلسل "المرآة المحطمة"، ثم أسس سنة 2003 شركة "أمين إنتاج"، التي قدم من خلالها العديد من الأعمال، من مسلسلات وأفلام ووثائقيات وغيرها.

والراحل مرباح هو أيضًا نجل المجاهد الكبير مولاي مرباح، الذي كافح من أجل استقلال الجزائر، وكان مسؤولًا في الحركة الوطنية الجزائرية، والذراع اليمنى للزعيم مصالي الحاج. ومن أفلامه القصيرة "الماء للجميع"، "السكن والعمران"، "ضحايا الحرب"، و"المكفوفون". أما الأفلام الروائية فمن بينها "المنتصر"، "المهمة"، "الحائزون على الأوسمة"، "الثائرون"، وكذا "المقتلعون"، "من أعماق القلب"، "راضية"، و"أمين..نظرة طفل" وغيرها.

أما المسلسلات فمنها "المرآة المكسورة"، "المختفية"، و"دارنا القديمة". وفي مجال الوثائقيات هناك "حيوانات الصحراء"، "السهوب"، "المركبات الصناعية"، إلى جانب "الأكاديمية العسكرية"، "إفريقيا... من الظلمات إلى النور"، و"الإمام ابن يوسف السنوسي"، وغيرها كثير. ترسخ اسم الراحل مرباح في ذاكرة الجمهور الجزائري، خاصة من خلال أفلامه الثورية والتاريخية، وقد لاقى فيلمه "المقتلعون" (1976)، المعروف باسم "بني هندل"، نجاحًا منقطع النظير، ولا يزال من روائع السينما الجزائرية.

ويصور الفيلم تجريد الفلاحين الجزائريين في جبال الونشريس من أراضيهم وممتلكاتهم، خلال الفترة الاستعمارية، علمًا أن الفيلم تم ترميمه قبل بضع سنوات. وظل الراحل متمسكًا بتراث ونضال الشعب الجزائري، وهو ما انعكس في أعماله، حيث قال لـ"المساء"، في أحد اللقاءات، إن على السينمائي والفنان أن يكون واعيًا بقضايا بلده، مستنكرًا بعض الأعمال التي تشوه التاريخ وصورة الوطن.

أصدق من حملوا رسالة الجزائر الإنسانية

للإشارة، ترحم الكثير من المثقفين والكتاب والسينمائيين والإعلاميين على روح الفقيد مرباح، مستعرضين عبر صفحاتهم الإلكترونية ذكرياتهم معه. وكان من بين هؤلاء الكاتبة ربيعة جلطي، التي كتبت "برحيل المخرج الكبير لمين مرباح، تفقد الجزائر واحدًا من أنبل مبدعي الصورة، وأصدق من حملوا رسالتها الإنسانية، نشأت بيننا صداقة جميلة منذ سنوات، حين كنت مديرة للفنون والآداب بوزارة الثقافة، وقد أبدع في إخراج الكليب الذي غنيت فيه لفلسطين ولأطفال الحجارة، فظل ذلك العمل شاهدًا على حسه الفني الرفيع وصدق رؤيته. سيبقى أثره حيًا في أعماله، وفي ذاكرة كل من أحب فنه وأخلص له. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله والأسرة الفنية جميل الصبر".

كما كتب الروائي أمين الزاوي "اليوم يرحل عن هذه الدنيا المخرج السينمائي القدير لمين مرباح، كان من قافلة العمداء الذين صنعوا مجد السينما الجزائرية منذ السبعينيات. كان حاضرًا في أصعب الظروف التي مرت بها البلاد، مثقفًا ومسيرًا شجاعًا، لم يترك الكاميرا يومًا، فقد ظلت عينه الثالثة على التاريخ والريف والجمال. وداعًا السي لمين، ستظل أعمالك السينمائية والتلفزيونية شاهدة على مواقفك النبيلة وعبقريتك وأخلاقك السامية... خالص العزاء للعائلة الصغيرة ولأسرة السينما وللمثقفين قاطبة، وتغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جنانه".

أما الإعلامي أمير نباش، الذي استقبل الراحل في برنامجه السينمائي، فكتب "يا لها من أخبار حزينة، لقد رحل عن دنيانا أحد أعلام السينما الجزائرية، لمين مرباح، مخرج الفيلم الشهير "المقتلعون" (Déracinés)، وهو عمل يعد من روائع السينما الجزائرية، وقد ترك أثرًا عميقًا في أجيال متعاقبة، من خلال نظرته المؤثرة إلى معاناة الفلاحين الجزائريين خلال فترة الاستعمار. لقد ترك إحساسه الفني، وقوة إبداعه، والتزامه بقضايا وطنه، بصمة لا تمحى في ذاكرتنا"، وأضاف "حظيت بشرف كبير باستضافته، رفقة فريقنا في "كنال ألجيري"، ضمن برنامج "سيني تيماتيك" الذي أخرجه نبيل تريبش، وكانت تلك المقابلة دافئة ولا تنسى، وستظل راسخة في قلبي".