في ذكرى رحيل صاحب "اللاز"
شهادات مؤثرة تستحضر مسيرة "عمي الطاهر"
- 176
آية توازي
شهدت الفعالية المخصصة لاستحضار الذكرى السادسة عشرة لرحيل الكاتب الجزائري الطاهر وطار، أول أمس الخميس، بمقر جمعية "الجاحظية" في الجزائر العاصمة، حضورًا متنوعًا من الكتاب والباحثين والمثقفين، حيث قُدمت خلالها عدة مداخلات، تناولت مسيرته الأدبية ومواقفه الفكرية والوطنية، واختُتم اللقاء بتسليم لوحة تذكارية إلى ابنة الراحل.
شكل اللقاء مناسبة لاستعادة سيرة أديب استثنائي، لم تكن كتاباته منفصلة عن قضايا وطنه وأمته، كما لم تكن مواقفه بعيدة عن انشغالات الإنسان وقضايا التحرر والهوية. وبين الشهادات والذكريات، ظل "عمي الطاهر" حاضرًا في وجدان محبيه، مؤكدًا أن المبدعين الكبار لا يغيبون بالرحيل، بل تظل أعمالهم ومواقفهم، شاهدة على حضورهم في الذاكرة الثقافية والوطنية. انطلقت أشغال اللقاء بكلمة ترحيبية بالحضور، أكدت فيها المتحدثة، أن الكاتب الراحل الطاهر وطار مثل صوتًا أصيلًا للذاكرة الشعبية، وشاهدا حيا على مختلف محطات التحول التي عرفتها الجزائر، مشددة على أن إرثه الفكري وكلماته الصادقة باقية لا تموت، لتستلهم منها الأجيال القادمة أرقى المعاني والقيم.
من جهته، ركز رئيس الجمعية، الأستاذ عبد الحميد صحراوي، في مداخلته على البعد الرمزي والفلسفي والصوفي في أعمال الراحل، مستحضرا روايته "الولي الطاهر"، ومشددا على أن الاحتفاء بذكراه، هو تكريس لرسالة الأدب بوصفه مقاومة والتزاما، وأن المثقف يمثل ضمير الأمة الحي. أما مدير المكتبة الرئيسية، عبد القادر جمعة، فطرح تساؤلًا حول سر المكانة الفريدة، التي حظي بها وطار لدى كبار الكتاب والمثقفين، مؤكدا أن السر يكمن في قدرته العجيبة على جعل كل من عرفه يشعر بأنه الأقرب إليه، وهو ما جعله، في نظره، مؤسسة ثقافية مستقلة، وليس مجرد فاعل في المشهد الثقافي.
وشهد اللقاء تقديم شهادات ومداخلات غنية، استحضرت خصال الراحل ومواقفه. ففي البداية، تحدث الخبير الفلسطيني صالح شقباوي، عن العلاقة العميقة التي ربطت الراحل بالقضية الفلسطينية، انطلاقًا من إيمانه بقيم التحرر والعدل، وعقد مقارنة أدبية بينه وبين الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، مستذكرًا روايته "اللاز" التي جسدت، بحسبه، جسرا لإيصال صوت القضية الفلسطينية إلى العالم. وتناول الأستاذ عبد الرحمان عزوق مسيرة الفقيد الحافلة بالعطاء، وتنقله في شتى مجالات الفكر والثقافة، مؤكدا أن جهوده خلفت رصيدًا ثريًا ومواقف ستظل خالدة في ذاكرة محبيه.
بدوره، قدم الأستاذ محمد بن صادق، شهادة حول جوانب من علاقته الشخصية الطويلة بالفقيد، مستحضرًا مواقف ذات طابع وطني وثقافي وفكري، من بينها مواقفه الجريئة، خلال مشاركاته في الملتقيات والفعاليات الدولية. وفي السياق ذاته، أشار الكاتب فيصل الأحمر، إلى أن الطاهر وطار كان من أوائل الكتاب المغاربيين، الذين أرست نصوصهم حضورًا في المشرق العربي، بفضل فصحى رفيعة المستوى، منتقدًا النظرة النمطية إلى المثقف، ومؤكدًا أن وطار عاش مسارا تطوريا منسجمًا مع أفكاره، ومتحررا من الجمود.
ومن جانبها، أشادت الشاعرة فوزية لارادي بشخصية الطاهر وطار العصامية، أو "عمي طاهر"، كما كان يحلو لمحبيه أن ينادوه، معتبرة إياه مدرسة حقيقية في دعم النشاط الثقافي والإعلامي، ومؤكدة أهمية الحفاظ على الإرث العريق لدار الجاحظية. وفي شهادة مؤثرة، نقل الأستاذ طناش تفاصيل من الأيام الأخيرة، التي عاشها الراحل في باريس، خلال رحلة العلاج، كاشفا عن إصراره اللافت على الكتابة وتحديه للألم، من أجل استكمال آخر رواياته على جهاز الكمبيوتر، قبل رحيله بأسبوع واحد.