واسيني الأعرج من قسنطينة:

رواية "الريميتي" انتقدها من لم يقرأها

رواية "الريميتي" انتقدها من لم يقرأها
الأكاديمي والروائي واسيني الأعرج
  • 141
ز. الزبير ز. الزبير

احتضنت دار الثقافة "مالك حداد" في قسنطينة، أول أمس، أول موعد للنّادي الأدبي الذي استضاف الأكاديمي والروائي واسيني الأعرج، صاحب رواية "الريميتي: أناشيد من جمر ونار" التي أثارت الجدل وأخذت حيّزًا كبيرًا من النّقاش على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد باع الروائي، خلال هذا اللقاء مؤلفاته بالإهداء، وتحدّث عن الرواية والنّقد الأدبي والجامعة والمدرسة، كما تطرّق إلى أسباب اختياره موضوعات رواياته.

اعتبر الأعرج، أنّ هذا اللقاء جاء بعد إنهاك كبير في أعقاب كتابة رواية "الريميتي" وما رافقها من سيل من الصراعات، مشيرًا إلى أن المشكلة التي تعاني منها الطبقة المثقّفة في الجزائر تتمثل في أزمة القراءة. وأضاف أن ذلك لا ينفي وجود ديناميكية في المجتمع ينبغي التكفّل بها، موضحًا أنه استعار جلد التمساح وسكن فيه لأنه من أكثر الجلود مقاومة للضربات.

ودافع الروائي باستماتة عن روايته، معتبرًا أن النّقاش الجاد مطلوب، وأن الحكم على أي عمل أدبي يجب أن يأتي بعد قراءته وتمحيصه. وقال إن المشكلة تكمن في إطلاق أحكام نقدية من أشخاص لم يقرؤوا العمل، واتخذوا مواقف مضادة انطلاقًا من مواقف سابقة أو دعمًا لأشخاص آخرين. وأضاف أنه لا يقلق من الانتقادات الموجّهة إلى الرواية فهذا أمر وارد، لكن ما يثير استياءه، وهو ما اعتبره حقًّا له بصفته كاتبًا، هو عدم قراءة الرواية وفتح الباب أمام الشتم والسبّ من طرف من وصفهم بـ"الإنكشاريين"، بل وحتى بـ"الضباع".

وحسب الأعرج، فقد النّقد الأدبي هويته تاركًا المجال للنّقد الذي يمارسه المؤثرون عبر الفضاء الافتراضي. وفي هذا السياق، انتقد الجامعة التي وصفها بالمتكلّسة، معتبرًا أنها فضّلت حصر نقاشاتها داخل أسوارها دون أن تفيد أو تستفيد، ودعا إلى إعادة تأسيسها في ضوء التحولات الجارية. وفي المقابل انتقد من وصفهم بـ"الذباب الإلكتروني" الذين فرضوا سيطرتهم على المجتمع، مطالبًا الأدباء والروائيين بالانتقال إلى الفضاء الافتراضي للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور. كما أشار إلى أن المجتمع لم يربِّ أبناءه على القراءة، داعيًا المدرسة إلى استعادة دورها في ترغيب التلاميذ في المطالعة، واعتبر أن القراءة باتت مجرد ردّ فعل بدل أن تكون فعلًا قائمًا بذاته.

واعتبر الأعرج أنّ الرهان في نهاية المطاف أدبي، مشيرًا إلى أنّ هناك من يلومه على خوض تجربة كتابة "الريميتي" بعد أن كتب عن قامة من قامات الجزائر هو الأمير عبد القادر. وبرّر اختياره بوجود نقاط مشتركة بين الشخصيتين: فالأمير عبد القادر رمز للمقاومة في مواجهة الاستعمار، والريميتي امرأة مقاومة أيضًا، عاشت اليتم والبؤس، وخرجت من العدم إلى العالمية، وزارت 75 موقعًا ومسرحًا عبر العالم، كما أسهمت في انتشار فن الراي، حتى إن نجوم هذا الفن كانوا يلقّبونها بـ"الأم الكبيرة". وأوضح أن هذه المعطيات دفعته إلى البحث خارج الأطر المعتادة والنظام العام للمجتمع، من أجل جمع المعلومات وصياغتها في عمل روائي.

وأكّد المتحدّث، أنه تناول قصة الريميتي من الجانب الإنساني بعيدًا عن الوازع الأخلاقي، معتبرًا أن نجاح الرواية يتجلّى في العدد الكبير من النّسخ التي بيعت منها لا سيما أنها وصلت إلى طبعتها الرابعة، فضلًا عن انطلاق مشروع لترجمتها لدى دار نشر كبيرة. وأبدى استغرابه من سيل الانتقادات الذي طال حتى شخصه، مشيرًا إلى أن هذه المرأة كانت تمنح الفرح للنّاس رغم ما كانت تعانيه من جرّاء ما يُقال عنها، وأنها كانت واعية بكل ما يُقال، كما تساءل عن غياب أداء ثنائي ("ديو") يجمع الريميتي بنجوم الراي رغم ما قدّمته لهذا الفن.

وعاد الأعرج، بذاكرة الحاضرين إلى سنوات الماضي، مستعيدًا قصصًا ظلّت راسخة في ذهنه منذ أن كان في العاشرة من عمره، إذ أكد أنه كان يقطع مسافة تتراوح بين 10 و15 كيلومترًا لحضور سهرات الشيخة الريميتي. وشدّد على أنه لا ينبغي الحكم على أي شخصية قبل التعرّف عليها والقراءة عنها، مضيفًا أنه خصّص وقتًا طويلًا لإنجاز الرواية، والتقى عددًا من الشخصيات التي أثّرت في الريميتي، من بينها عازف الناي المعروف بـ"القصّاصبي"، الذي رافقها عشر سنوات، ومسؤولها الفنّي نور الدين الفيطي.

وعن تقاطع بعض أعماله مع التاريخ، أوضح الأعرج أنه لا يكتب التاريخ لأن التاريخ موجود، وإنما يكتب مادة أدبية تستند إليه، تجعل القارئ يشعر بالتاريخ وهو يقرأ عملًا ذا بناء فنّي وتصوّر للأحداث والوقائع، تتخلله تفاصيل أشبه بالبهارات التي أغفلها التاريخ. وأضاف أن تناول التاريخ غير المتداول في أذهان النّاس أمر صعب، مشيرًا إلى أن هذه الروايات تمثّل جزءًا من عملية حفظ الذّاكرة عن طريق الإبداع.

وأعرب واسيني الأعرج، عن رغبته في تحويل هذا العمل الأدبي إلى عمل سينمائي، رغم إدراكه صعوبة الفكرة، لا سيما من ناحية التمويل. واعتبر أن الشعب الذي لا يعترف بثقافته وتاريخه الشعبيين مصيره الزوال، مستشهدًا بثقافة الهنود الحمر التي بقيت رغم إبادة أصحابها عن بكرة أبيهم، مصدر إلهام لعدد كبير من الروايات بفضل الحفاظ على موروثها الثّقافي الشعبي.