المهرجان الوطني للكتاب المقروء بالمكتبة الوطنية
رهانات لصناعة الوعي والدخول إلى مجتمع الرقمنة الكونية
- 169
مريم. ن
اِفتتحت المكتبةُ الوطنية، أوّل أمس، فعاليات المهرجان الوطني للكتاب المقروء الممتدّ إلى غاية 5 أكتوبر المقبل، تحت شعار "لكتبنا حياة أخرى" . ويتضمّن إعادة تداول الكتب الموجودة في المكتبات الخاصّة، من خلال التبادل، والإهداء، والبيع، إضافة إلى برنامج فكري ثريّ. وخلال كلمته الافتتاحية، أشاد مدير دائرة الكتاب بوزارة الثقافة التجاني تامة، بهذه المبادرة، التي تهدف إلى خدمة وترقية الكتاب، متوقّفًا عند إطلاق منصّة "كتبنا".
من جهته، أسهب الأستاذ أحمد عبد الكريم في الحديث عن الكتاب وعلاقته بالمعرفة والتقدّم الحضاري، فيما أكّد الأستاذ سفيان مخناش في تدخّله، أنّ المهرجان سابقة في العمل الثقافي. كما توالت التدخّلات لتُبرز جهود النوادي والمكتبات المنتشرة عبر التراب الوطني، التي تشهد بدورها، الفعاليات نفسها.
وشهد اليوم الأوّل من التظاهرة تنظيم ندوة فكرية بعنوان "توظيف الذكاء الاصطناعي وعلاقته بالإبداع"، نشّطها الأستاذ نور الدين عدّاد، رئيس دائرة الكتاب بالوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي، وعرض فيها الدكتور المهندس حمزة قريرة من جامعة ورقلة، ورقة بعنوان "تحوّلات فعل القراءة في ظلّ الرقمنة والذكاء الاصطناعي"، حيث أشار المحاضر إلى أنّ القراءة مثّلت أرقى عمليات إنتاج المعنى، وابتكار الذات؛ إذ يتلاقى الفكر التجريدي بالجسد الحسّي، في حوار تأويلي صامت. غير أنّ الانتقال المعاصر من ثقافة "المطبعة والكتلة الورقية" إلى ثقافة "الشاشات والتدفّق الخوارزمي" ، لا يمثّل مجرّد استبدال تقني محايد لأوعية حفظ المعرفة، بل هو زلزال إبستمولوجي، يعيد تشكيل هندسة الإدراك البشري، ويغيّر بيولوجيا الدماغ القارئ، ويزعزع القواعد التي حكمت إنتاج الأدب وتلقّيه لقرون.
وقال المتحدّث إنّ التحوّل العاصف في طبيعة "القناة" (الانتقال من الحامل الورقي الماديّ إلى الشاشات التفاعلية والفضاءات الذكائية التوليدية)، لم يُغيّر شكل الحرف فحسب، بل أحدث ارتجاجًا نسقيا، ضرب بقية الأركان كأثر الدومينو. وعليه، تبلورت إشكالية المداخلة في العديد من التساؤلات، منها: كيف يعيد تبدّل القناة المادّية صياغة فسيولوجيا الدماغ، والمسارات العصبية للتذكّر، والفهم الاستدلالي؟.
القراءة تتجاوز تحصيل المعرفة إلى الوعي
خلص التدخّل إلى أنّ القراءة الورقية المتأنّية لم تكن يومًا مجرّد آلية لتحصيل المعارف، بل هي مسكن الوعي الإنساني، وملاذه الأخير للإقامة الهادئة في هذا العالم. وإنّ صيانة هذا الحقّ الإنساني في وجه استلاب الآلة، هي معركتنا الكبرى للدفاع عن أبهى خصائص الفكر البشري: حرية التأويل، وبهاء السؤال، ومتعة الاكتشاف المستقلّ.
وأشار المتحدّث أيضًا إلى أنّ 80 بالمئة من نصوص الإنترنت مولَّدة بالذكاء الاصطناعي. ومنذ 2010 يقوم المختصّون بتلقين هذا الذكاء أساليب المؤلّفين، كالعقّاد مثلاً أو طه حسين، والكثير من الكتب القديمة، وكتب التراث؛ كي يقرأها، ثمّ ينتج مثلها بأسلوب الإنسان، وبالتالي تكتب هذه التقنية كالجاحظ أو طه حسين. لكنّ المشكل، كما طرحه المتحدّث، هو: ماذا سيكون مستقبل النقد والبلاغة؟ وهنا تكمن الخطورة، علمًا أنّ هناك من يسعى في العملية الرقمية، إلى إبقاء خيط مع الماضي؛ كي لا يعود الإنسان إلى العصر الحجري إذا ما توقّفت التكنولوجيا، خاصّة مع محو كلّ الكتب الورقية، وبالتالي يجب عدم ترك الخوارزميات تقضي على جوهر الوجود الإنساني، ومستقبله.
نناقش موضوعات لسنا جزءًا منها
بدوره، تطرّق الدكتور لمين بن تومي لـ "مسألة الذكاء الاصطناعي وعالم المعرفة، سوسيولوجيّاً وتاريخياً "، موضّحًا أنّنا نناقش موضوعات لسنا جزءًا منها، كما هو الحال مع المجتمع المعرفي الرقمي، فنحن - حسبه - لانزال مجتمعًا تقليديا فيه موانع تقف حاجزًا أمامه للدخول، والتحوّل نحو المواطنة الكونية، ليضيف أنّ القراءة عندنا هي أمر ريعي يشبه الترف، وأحيانًا هي جزء من التركيبة الاجتماعية والتاريخية لمجتمعنا. وهنا يُطرح سؤال عن: ما القراءة التي ننشدها؟، علمًا أنّ العالم يشهد محرقة للمجتمع، وللعالم التقليدي، خاصّة مع ظهور الشركات التي تشتري الكتب لتمحوها، ثمّ تحرقها باسم الآلية، وهو ما يهدّد الأرشيف الإنساني. ومن ثمّ - كما يضيف - علينا تفكيك بنية القراءة ونوعها في مجتمعنا الجزائري، ونوع المعرفة التي تتحكّم في ثقافتنا، وكيف تفكّر مؤسّساتنا، وإلى أين تؤول؟.
وتساءل الدكتور بن تومي عن كيفية الانخراط في القراءة التقنية، ملفتًا إلى أنّ المعرفة كانت تساند السلطة التاريخية (قراءة ريعية)، وبالتالي فهي عائق أمام الدخول إلى العالم الجديد، علمًا أنّ القراءة عندنا في السبعينيات، كانت بدعم إيديولوجي للقضاء على مخلّفات الاستعمار. ونجحت إلى حدّ كبير. كما إنّ القراءة المدرسية كوّنت أجيالاً، لتظهر بعد 88، القراءة الصفراء ذات النزعة الفردانية.
تبنِّي مشروع يتجاوز التاريخي والنوستالجي والكلاسيكي والأحادي
دعا المتحدّث إلى تبنّي مشروع للقراءة يتجاوز الإطار التاريخي الكلاسيكي الأحادي والنوستالجي، نحو آفاق أخرى، تحوّل القارئ من المناضل إلى القارئ الكوني العقلاني؛ من أجل تأسيس وعي جديد بمواضيع تشاركية مع الإنسانية، وبالتالي الخروج من القراءة الدائرية الداخلية إلى القراءة المتعدّدة، وغير ذلك فسيكون مآله الدخول إلى الرقمنة بشكل بشع، ومفروض علينا، بدل السلاسة، وتوفير المناخ من خلال العمل المؤسّساتي وليس الفردي؛ كي لا نُغتصب في وعينا، ولا تتفرّق بنا السبل حين الدخول إلى عالم آخر جديد.
وكان النقاش ثريّا جدّا، تدخّل فيه الروائي فيصل الأحمر الذي قارن بين ارتباطه كأبناء جيله، بالكتاب الورقي، وبين ابنه الصغير الذي لا يدرك إلّا ما هو تقني، مؤكّدًا أنّ المعلومة نفسها عند هذا الطفل، تمرّ بالوسائل التقنية، ولا تمرّ مكتوبة؛ ما يجعل العالمَين مختلفَين، تتباين فيهما خريطة المعنى.
ومن جانبه، أشار الدكتور عبد العزيز رأسمال رئيس أخلاقيات المهنة بجامعة الجزائر، إلى أنّنا اليوم نحتاج إلى فكر نقدي، يتأسّس عليه المشروع الاجتماعي، مثمّنًا الطاقات الجامعية الشابّة في مجال الذكاء الاصطناعي، وفي الأمن السيبراني، التي يجب توظيفها، علمًا أنّ لكلّ مرحلة سياقاتها التاريخية التي تفرض تأمّلات جديدة وعميقة، تواجه معركة الوعي، فيما أكّد الدكتور بهادي أنّ النصوص وترجمتها وإعادة إنتاجها بالرقمية والذكاء الاصطناعي، ليس هو المقلق، بل الإشكال يكمن في تراجع الإبداع، وفي توظيف تراثنا ومراجعته.
أمّا الكاتب محمد ساري فخاض في تجارب رائدة في الغرب للترويج للقراءة، منها مكتبات "الميدياتيك" ، وبدائل الكتاب الورقي المتاحة.