عرض مسرحية "حسناء والوحوش"

رحلة في عمق الصراع الإنساني

رحلة في عمق الصراع الإنساني
  • 114
سميرة عوام سميرة عوام

تابع عشاق الخشبة بالمسرح الجهوي "عز الدين مجوبي" بعنابة، أول أمس، مسرحية "حسناء والوحوش"، في أمسية مسرحية استثنائية أعادت الفن الرابع إلى واجهة النقاش الجاد. 

والعمل مقتبس من مونودراما الراحل جمال حمودة، مع معالجة درامية وكتابة لهشام بوسهلة، وإخراج وسينوغرافيا لكمال رويني، بمشاركة نخبة من الممثلين، بينهم فاتن قصار، وفاطمة بوشامة، وأمينة بويونس، ومحمد شريف أوديني وسفيان هميسي. وانغمس الجمهور منذ اللحظات الأولى، في أجواء الفضاء السجني الذي اتُّخذ مسرحًا للأحداث، حيث يتجاوز النص الخطاب النسوي المباشر، ليرتقي إلى محاكمة سياسية وفلسفية لمرحلة تاريخية فارقة. 

وتبرز شخصية "حسناء" التي أدتها فاتن قصار بوصفها مركز الثقل الدرامي في العمل؛ فهي أم حُكم عليها بتهمة قتل ابنها بدافع حمايته، وحماية المجتمع من "شر محتمل" يرتبط بهوية والده المتطرف. وتضع الشخصية المشاهدَ أمام تساؤلات أخلاقية حارقة حول حدود الخير والشر، وما إذا كانت الغاية النبيلة يمكن أن تبرّر وسيلة مؤذية، فضلًا عن سؤال المسؤولية الفردية في أوقات الأزمات.

ويتعزز هذا الصراع النفسي من خلال ثنائية القاضي الذي يؤدي دوره محمد شريف أوديني، والمحامي الذي يجسده سفيان هميسي، اللذين يمثلان صوت المؤسسة والنخبة؛ في محاولة لتفسير الحتمية التاريخية، وتبريرها. وفي المقابل، شكلت شخصيتا السجينة "أحلام" التي أدتها فاطمة بوشامة، والحارسة التي جسدتها أمينة بويونس، مساحة للتخفيف من حدة الصراع، من خلال لمسات كوميدية، وملامسة تفاصيل الحياة اليومية وهموم الإنسان البسيطة بعيدًا عن الأسئلة الوجودية الثقيلة، وهو ما منح العرض توازنًا على مستوى الإيقاع.

وعلى المستوى الفني، اعتمد المخرج كمال رويني على سينوغرافيا تقوم على مبدأ "المسرح الفقير"، من خلال الاقتصاد في العناصر، وتقسيم فضاء الركح، مع توظيف الإضاءة بما يخدم الحالات النفسية للشخصيات، والتحولات الدرامية. كما تنوعت مستويات اللغة بين الشعرية، والتقنية والشعبية، بما ساهم في إثراء البناء الدرامي، وإبراز اختلاف مواقف الشخصيات.

وأثبت عرض "حسناء والوحوش" مجددًا، قدرة المسرح على تناول القضايا الشائكة، وطرح الأسئلة الأخلاقية والسياسية بشجاعة؛ إذ نجح صنّاع العمل في تقديم "حسناء" بوصفها مرآة لواقع إنساني وتاريخي معقد. ومع إسدال الستار غادر الجمهور القاعة محملًا بأسئلة ونقاشات حول حدود الأخلاق والسلطة والمسؤولية، وعلاقة الإنسان بتاريخه واختياراته في لحظات الأزمات.