الفنان نذير جلالي يعرض أعماله بقصر حسين داي
رحلة إلى عالم غامض وجذّاب
- 124
لطيفة داريب
عالم الفنان نذير جلالي ساحر فعلا، فهو مليء بالألوان وبالغموض، لكنّه يجذبك بشكل رهيب لأن تدخله أو حتى تقتحمه بدون تردّد لتشعر بالراحة رغم كلّ الأسرار التي يخفيها وراءه، لأنّ للجمال عنوان واحد وباب مفتوح لكلّ عاشق للحياة مثل نذير.
شكلّ التقاء الفنان الشاب نذير جلالي بروّاد معرضه المقام حاليا بقصر حسين داي إلى غاية 28 أكتوبر الجاري، أوّل أمس، عرسا حقيقيا، فبالإضافة الى ارتداء نذير للباس تقليدي زاده رفعة ورقيّا، عرفت الأمسية تقديم وصلات من طرف فرقة موسيقية. ورافقت الفنانتان عذراء بن شريط وأمال لنقار اللتان شاركتا في تكوين الفنان الشاب نذير جلالي، "المساء" في جولتها بالمعرض الذي انقسم إلى قسمين وهما، قسم متعلّق بالتحف التي تنتمي إلى عالم الحرف وقسم تُعرض فيه اللوحات.
يعرض الفنان نذير جلالي في القسم المرتبط بجانب الحرف، مجموعة مختلفة من التحف التي تدخل في خانة التزيين، وضع فيها زخرفة متناسقة مستعملا فيها الدقة والألوان المختلفة، مثل المرايا التي عكس في واحدة منها الزليج المتواجد في منزل جدته. أيضا نجد مشط ومرآة اليد وصندوق صغير يحملون نفس الزخرفة، علاوة على مجموعة من الأيدي في شكل "خامسة" استعمل فيها الفنان تقنية "الصب" حيث مزج بين المادة والماء ثم صبّ الخليط في قالب وبعدها لوّنه بألوان مختلفة.
وزيّن نذير طبق تقديم الطعام وجرّة فخارية ومائدة والعديد من الأواني وأدوات الزينة، وهذا في غاية الدقة والجمال، رغم ما يتطلّبه ذلك من صرامة وتركيز وصبر وهو ما يتّسم به نذير الذي انطلقت مسيرته الفنية عبر بوابة الحرف لينتقل بعدها وبكلّ ثقله إلى عالم الرسم. وعن عالم الرسم، جال الفنان الشاب بكلّ حرية مختارا الفن التجريدي الذي يرسم من خلاله بدون حدود ولا ضوابط إلاّ ضابط الدقة ونظيره الجمال، فنذير لا يرغب في أن يجد نفسه سجين شكل ما أو حبيس رسمة ما، بل يغوص في عوالم مختلفة ويترك فرصة تفسير كل اللوحة للملتقي .
وهكذا يدعو نذير جميع روّاد معرضه إلى إيجاد تفسيرهم الخاص للوحاته، التي رسمها بمختلف تقنيات الفن التجريدي، مثل استعماله لتقنية صب الأكريليك (بولينغ) وهي عملية سكب الألوان على سطح اللوحة بدلا من استعمال الفرشاة للرسم التقليدي، ثم تحريك السطح أو ميله حتى تمتزج الألوان وتتشكل أنماط تجريدية جميلة. في هذا، استعمل نذير في بعض لوحاته، أقساما متناسبة من الماء والبولينغ والأكريليك، علاوة على قطرات من زيت السيليكون، فالمجفّف لمزج كلّ هذه العناصر فيما بينها، وهي تقنية أبعد من تقنية الفن التجريدي، أي أنّها تأخذنا إلى عالم أشدّ غموض وحرية.
ودائما مع تقنية البولينغ، اعتمد نذير في بعض اللوحات، على هذه المادة لكن بشكل مختلف، أي أقل انسيابا، حتى يتمكّن من رسم زهور تعطي بعض التفسيرات لموضوع العمل، مثل اللوحات التي رسم فيها نذير نوتات وآلات موسيقية نسبة إلى ولعه بالموسيقى فهو عازف للبيانو. بالمقابل استعمل الفنان عدّة أدوات مثل مكشطة ومروحة واسفنجة وقطعة قماش، هذه الأخيرة استخدمها الفنان لصنع دوائر في اللوحات.
واعتمد نذير أيضا على وضع نقاط في أعماله بأسلوب فن الماندالا والذي سبق وأن استخدمه في مجال الحرف. أما عن الألوان المستعملة فجاءت بشكل متناسق حتى في الأعمال القليلة التي رسمها بأسلوب شبه واقعي مثل لوحة عن ثورة أوّل نوفمبر. في حين استعمل الفنان اللون الذهبي في بعض من أعماله، مانحا إياها بريقا جذابا. كما فصل نذير لوحة إلى جزأين وفعل ذلك مرتين، وكأنّ ذلك العمل كان محتاجا إلى لوحتين لعرض الموضوع وليس إلى لوحة واحدة، لتتواصل هذه الفعالية إلى غاية 28 أكتوبر لشاب سبق له وأن شارك في العديد من المعارض من بينها سمبوزيوم بمصر وتحصّل هناك على عدّة شهادات.