في الذكرى 86 لرحيل العلامة عبد الحميد بن باديس
رجل جاهد بالقلم وأيقن بأن الأمم تسود بالعلم
- 162
زبير زهـاني
تعود في 16 أفريل من كل سنة ذكرى وفاة أحد أبرز أعلام الجزائر، بل العالم العربي والإسلامي، رائد النهضة والإصلاح؛ العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس، الذي خلدت ذكراه الدولة الجزائرية باحتفالية، في يوم وطني، يشهد تنظيم ا
لعديد من النشاطات الفكرية والفنية والدينية، من أجل زرع قيمة وأهمية العلم في عقول النشء الصاعد، هذا النشء الذي كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يوليه كل الاهتمام، ولخص ذلك في قصيدته المشهورة "شعب الجزائر مسلم"، عندما قال: "يا نشء أنت رجاؤنا ...وبك الصباح قد اقترب"، وكان يعلم أن مستقبل أي أمة مرهون بنشأة شبابها وتربية أطفالها، فعلى الجيل الجديد الاطلاع على حياة الرجل والتأمل في أفكاره، من أجل النهوض بهذا البلد وهذه الأمة.
نهل العلم على يد الشيخ الونيسي بقسنطينة وبن عاشور بتونس
ولد عبد الحميد بن محمد المصطفى بن المكي بن محمد كحول بن الحاج علي النوري بن محمد بن عبد الرحمان بن بركات بن عبد الرحمان بن باديس الصنهاجي، في مدينة قسنطينة، عاصمة الشرق الجزائري، يوم الأربعاء 11 ربيع الثاني 1307 هـ، الموافق لـ4 ديسمبر 1889 م، على الساعة الرابعة بعد الظهر، وسجل يوم الخميس 12 ربيع الثاني 1307 هـ، الموافق لـ5 ديسمبر 1889 م في سجلات الحالة المدنية، ترعرع في عائلة علم وناضل منذ نعومة أظافره، من أجل تحصيل العلم والمعرفة، حيث حفظ القرآن الكريم وهو صبي، لم يتجاوز 13 سنة، ثم تتلمذ على يد الشيخ أحمد أبو حمدان الونيسي، فكان من أوائل الشيوخ الذين تركوا الأثر الطيب في الشيخ وفي اتجاهه الديني، ولا ينسى ابن باديس أبداً وصية هذا الشيخ له: "اقرأ العلم للعلم لا للوظيفة"، بل أخذ عليه عهدا ألا يقرب الوظائف الحكومية عند فرنسا، وأراد ابن باديس الهجرة إلى المدينة المنورة، ليلحق بشيخه هناك لكن والده منعه من ذلك، لصغر سنه، وبعث به إلى تونس لاستكمال دراسته في جامع الزيتونة، وكانت منارة العلم في الشمال الإفريقي، وتلقى العلم في الزيتونة على جماعة من كبار العلماء البارزين، فلازم العلامة محمد الطاهر بن عاشور، وأخذ عنه الأدب، وكان له تأثير كبير عليه، عبر عنه ابن باديس بقوله: "بث فيّ روحًا جديدة في فهم المنظوم والمنثور، وأحيت مني الشعور بعز العروبة والاعتزاز بها، كما أعتز بالإسلام".
رجل جهاد فكري وبدني وضحى بحياته الشخصية من أجل الأمة
حياة ابن باديس لم تكن سهلة، فكانت جهاد بين تلقي العلم والتعليم وتفسير القرآن، فكان بمثابة الفلاح الذي يريد زرع بذرة العلم في هذه الأمة، ومحاربة الظلال والجهل الذي أرادت فرنسا نشره في المجتمع الجزائري طوال مدة الاحتلال، حيث كان الرجل يدرك أن استقلال هذه الأمة، لن يكون إلا بوعي أبناء الجزائر وإدراكهم لما يدور حولهم، ليمهد من خلال الثورة العلمية التي أحدثها، عند عودته من رحلة الحج، خاصة بعد تأسيس جمعية العلماء المسلمين رفقة كوكبة من العلماء والمشايخ سنة 1931، لظهور جيل جديد واع ومتعلم، ساهم في إطلاق ثورة التحرير المظفرة في الفاتح من نوفمبر سنة 1954، بعد 14 سنة من وفاة الشيخ العلامة ابن باديس.
كرّس الشيخ عبد الحميد بن باديس، كل حياته، من أجل نشر العلم والمعرفة، بين تأليف وتفسير للقرآن وتدريس وعقد حلقات الذكر بالجامع الكبير والجامع الأخضر، حتى أنه فرط في حياته الشيخية، ما جعل زوجته ترحل عن بيت الزوجية، خاصة وأنها لم تتفهم الرسالة التي كان الشيخ ينشرها بين افراد المجتمع الجزائري، حيث غادرت دون رجعة وتوجهت من الجزائر إلى تونس، وفقد الشيخ فلذة كبده الوحيدة في حادث مؤلم بأعالي جبل الوحش، بمزرعة العائلة، عندما كان الطفل الصغير يتدرب على الصيد بالبندقية، فكانت بمثابة الضربة التي قسمت ظهر الشيخ، لكنه ورغم الحزن واصل جهاده الفكري دون كلل أو ملل، وواصل رسالته إلى الأيام الأخيرة من حياته معتكفا في بيته، حيث كان همه الوحيد، هو التأليف والكتابة، وأهمل حتى الأكل والشرب، مما جعله يفقد الوزن ويدخل في حالة سوء التغذية، بسبب التعب الكبير والسهر المستمر في سبيل العلم، في حين تشير بعض المصادر إلى أن الشيخ كان قد تعرض لتسمم، أفقده الوزن وجعله هزيل الجسم إلى أن فارق الحياة.
حارب البدع والطرقية وجمع أصحابه لخدمة الدين والوطن
كان الشيخ عبد الحميد بن باديس من أشد الرجال كرها لفرنسا، وحتى أن هناك مقولة مشهورة له يرددها تلامذته، عندما قال لهم: "لو قالت لي فرنسا قل لا إله إلا الله، لما قلتها"، في إشارة إلى بغضه الكبير ومقته الشديد لهذا الاستعمار الغاشم، رغم أن جده المكي كان يشتغل بالقضاء لدى السلطات الفرنسية، إلا أن الشيخ كان على غير طريق والده، وقد ساعد منصب الجد في السماح للشيخ بتأسيس جمعية العلماء المسلمين بنادي الترقي بالعاصمة، حيث كان هو من خطط لهذا الاجتماع، إذ وضع الشيخ عبد الحميد بن باديس على رأس الجمعية، للحصول على ترخيص السلطات الفرنسية، وقد انطبقت الحيلة على المستعمر، الذي ندم أشد الندم لسماحه بظهور هذا التجمع، الذي ضم خيرة ونخبة علماء الجزائر، في ذلك الوقت، على غرار البشير الإبراهيمي، فخر علماء الجزائر، العربي التبسي، الشهيد بلا قبر وكذا الأمين العمودي الشهيد الأديب الصحفي، الطيب العقبي محارب الطرقية والمبتدعة، مبارك الميلي مؤرخ الجزائر، إبراهيم بيوض أسد الصحراء، الفضيل الورتيلاني سفير تحرير الجزائر وغيرهم، الذين وهبوا حياتهم لخدمة الدين والوطن ومحاربة الاستعمار بشتى الطرق.
طريق جمعية العلماء المسلمين كانت واضحة، هدفها محاربة الاستعمار الفرنسي بالعلم وبالقلم، من خلال تأسيس العديد من المجلات والجرائد التي كانت لسان حالها، على غرار “البصائر”، “السنة النبوية”، “الصراط السوي”، “المنتقد”، “الشهاب”، وهي الجرائد التي كانت غالبا ما يتم غلقها من طرف المستعمر، بسبب أسلوبها المعارض لأفكار المستعمر ومحاربتها لكل ما من شأنه تفتيت المجتمع، على غرار الطرقية والبدع التي تدخل الناس في الشرك من حيث لا يدرون، كما حاربت الزوايا التي خرجت عن مهمتها في تحفيظ القرآن، وأعلنت ولاءها للاستعمار الفرنسي، فكانت الجمعية ترى أن قوة الجزائريين في اتحادهم، واتحادهم لن يكون إلا من خلال الإسلام الدين الجامع.
إجماع على تفاني العلامة في خدمة وطنه
يرى الدكتور محمد الهادي الحسني، أن ابن باديس كان زعيما في حياته وفي مماته، معتبرا أن العلامة لم ينشغل طيلة حياته بما يلهث وراءه غيره، من رئاسة أو زعامة، فاختار أن يعيش للإسلام والجزائر، موضحا في أحد مقالاته، أن الاستعمار الفرنسي، ومن خلال تقاريره الاستخباراتية التي أُميط عنها اللثام، وصف الشيخ عبد الحميد بن باديس بالأب الروحي لحركة التمرد التي وقعت بين 1945 و1954، وهو ملهم عقيدة جيش التحرير الوطني، في حين ألف الدكتور المصري محمود قاسم، الذي عرف فكر الإمام ابن باديس، وتابع فصول الجهاد الجزائري، كتابا سنة 1968 عنوانه “الإمام عبد الحميد بن باديس، الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية”، وأشاد المفكر مالك بن نبي بالشيخ ابن باديس في العديد من مؤلفاته، حيث كان بن نبي مواظبا على قراءة افتتاحية الشيخ ابن باديس في جريدة "الشهاب"، وقال، رغم اختلافه معه في بعض المواضيع، فإنه ناقد اجتماعي وعالم محقق ومصلح، وكان مثقفا، عاش مأساة مجتمع وحضاراته على طريقته الخاصة، ووصف المؤرخ الأستاذ الدكتور المرحوم أبو القاسم سعد الله، في مقالة له بعنوان "تقزيم العظماء"، العلامة ابن باديس برمز حركة الإصلاح الديني والاجتماعي، وصاحب مشروع إحياء هوية القطر التي تآمر عليها المحتل، مطالبا بإعادة دراسة سيرته والاستلهام من مواقفه، لتثبيت الهوية القطرية والقومية الإسلامية.
كما قدم الشيخ محمد الغزالي، رحمة الله عليه، الذي عاش سنوات بمدينة قسنطينة، مسقط رأس الشيخ عبد الحميد بن باديس، ودرس فيها وأمّ الناس بجامع "الأمير عبد القادر"، شهادة في حق الشيخ العلامة، حيث وصفه بالظاهرة العلمية، الذي قدم لأمته دستور حياة وخاض في كل المجالات، مهد لوضع لبنة ثورة فكرية، ساهمت في تفجير الثورة المظفرة وتحدث الدكتور عبد الله حمادي في كتابه “ابن باديس سيرة ومسيرة”، عن المجهودات الجبارة التي بذلها الشيخ إلى آخر أيام حياته، وعن الصعوبات التي واجهها العلامة من طرف أعيان قسنطينة، علماءها وأصحاب الزوايا، الذين أعلنوا صراحة الولاء لـ"أمهم فرنسا"، وأبرز الدكتور عبد العزيز فيلالي، في كتابه “وثائق جديدة عن جوانب خفية في حياة ابن باديس الدراسية”، التميز الكبير للشيخ في طلب العلم وحصوله على عديد الإجازات، حيث كان تكوينا قويا وواسعا وعميقا، معتبرا أن طريقة تدريسه وأسلوبه كانا فريدين من نوعهما، وخالفا كل الطرق القديمة التي انتقدها الشيخ، داعيا إلى دراسة وتبني هذه الطرق للنهوض بالتعليم في الجزائر.
مطالب بترميم منزله ومطبعته
يطالب القسنطينيون من سكان المدينة، أو من منتخبين بالمجالس البلدية والولائية، بضرورة ترميم الأثار المادية التي خلفها الشيخ عبد الحميد بن باديس وراءه، والتي طالها الإهمال وتعرضت للتلف، على غرار منزله المتواجد بقلب المدينة القديمة في منطقة السيدة بحي السويقة، هذا المنزل الذي انهار بشكل كبير، في ظل عدم تحرك أي جهة لاسترجاعه، رغم إدراج المنزل المتواجد بحي القصبة لعمليات ترميم، في إطار مشاريع قسنطينة عاصمة الثقافة العربية 2015، شأنه شأن جامع “الأربعين شريفا” والجامع “الأخضر”، كما يطالب أهل المدينة بإعادة بعث مطبعة “الشيخ عبد الحميد بن باديس”، المتواجدة بحي الأربعين شريفا، التي كانت منشوراتها بمثابة الخنجر في خصر الاستعمار الفرنسي والسهم في قالبه، ومن المطالب أيضا، التي لم يتم النظر فيها، إعادة تسمية بلدية ابن باديس بالاسم الكامل للعلامة عبد الحميد بن باديس.
مكتبة العائلة بالجامع الأعظم
من جهتها، قررت عائلة الشيخ عبد الحميد بن باديس، ممثلة في البنت الكبرى للمرحوم عبد الحق، السيدة فوزية بن باديس، منح مكتبة العلامة التي كانت بحوزة والدها، كهبة إلى مسجد الجزائر الأعظم، لتكون بين أيدي طلبة العلم، كعمل صالح يمكن أن يكون أجره لصاحبه، حيث قامت بمقر مؤسسة "عبد الحميد بن باديس"، بتسليم الهبة إلى عميد مسجد الجزائر، فضيلة الشيخ المأمون القاسمي الحسني، وهي المكتبة التي كانت تضم 808 عنوان، لتكون كتبا وقفية على جامع الجزائر، تنفيذا لوصية المرحوم عبد الحق بن باديس، الشقيق الأصغر للعلامة، بالنسخة الورقية والرقيمة، ضمت كتبا نفيسة، تم حفظها لأكثر من 80 سنة، حملت علوما درّسها الشيخ وكان يحرص عليها تحصيلا وعطاء، حيث وصف الدكتور عبد العزيز فيلالي، رئيس مؤسسة "الشيخ عبد الحميد بن باديس"، هذه المكتبة بالثرية بالكنوز العلمية وبأمهات الكتب في مختلف المجالات، والتي اقتناها الشيخ في شبابه، خلال زياراته العديدة لتونس، القاهرة، الإسكندرية وبلاد الحجاز، وكذا الكتب التي كانت تأتيه عن طريق الأصدقاء أو البريد من المغرب العربي والمشرق العربي، وحتى من أمريكا الجنوبية وأمريكا الشمالية.