التراث المخطوطي الأمازيغي بالحرف العربي

ذاكرة علمية تجسّد التفاعل الحضاري في الجزائر

ذاكرة علمية تجسّد التفاعل الحضاري في الجزائر
الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية، سي الهاشمي عصاد
  • 210
ع. إ ع. إ

أكّد الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية، سي الهاشمي عصاد، خلال افتتاحه، أوّل أمس السبت، ندوة فكرية حول التراث المخطوطي الأمازيغي المدوَّن بالحرف العربي، ضمن البرنامج الثقافي للطبعة التاسعة والعشرين من صالون الجزائر الدولي للكتاب، أنّ المخطوطات، بما تحمله من رصيد لغوي ومعرفي وتاريخي، تمثّل "مصدراً مهماً لتعميق المعرفة بتاريخ الأمازيغية وتراكماتها الحضارية".

واعتبر عصاد، في كلمته الافتتاحية، أنّ هذا اللقاء يهدف إلى "إعادة الاعتبار لذاكرة مكتوبة"، وأنّ العناية بالتراث المخطوطي "لا تقتصر على حفظ الذاكرة وصون شواهدها، بل تمثّل استثماراً في مستقبل اللغة نفسها"، إذ تشكّل المخطوطات مادة أساسية للبحث والدراسة، وتسهم في جهود تهيئة الأمازيغية لغوياً وتطويرها علمياً.

وسلّط عصاد الضوء على دور المحافظة في "تكثيف الجهود الميدانية والعلمية، من خلال جرد المخطوطات وفهرستها وتحقيقها وصيانتها ورقمنتها، وتشجيع البحث الأكاديمي المتخصص، وتأهيل الكفاءات العلمية، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الثقافية والجامعات ومراكز البحث"، بما يضمن حماية هذا الرصيد وإتاحته للباحثين والأجيال القادمة. وأوضح أنّ اهتمام المحافظة بالموضوع يندرج ضمن مسعى وطني شامل يرمي إلى ترقية الأمازيغية وصون تراثها وتطوير مجالات استعمالها، بما يعزّز مكانتها ضمن مكوّنات الهوية الوطنية. كما ثمّن "العناية السامية لرئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، باللغة الأمازيغية"، مشيراً إلى أنّ ذلك يضع على عاتق المؤسّسات والهيئات العلمية مسؤولية مواصلة العمل لتمكينها من أدوات التطوّر والتجدّد.

وفي حديثه عن اللغة، قال عصاد إنّها "متجذّرة في عمق التاريخ، ومتجدّدة في الحاضر، وممتدة نحو المستقبل"، وإنّ هذا الإرث يقتضي الانتقال من الاعتزاز بعمق الأمازيغية إلى تعزيز حضورها في الواقع المعاصر، عبر تطوير أدواتها وتوسيع مجالات استعمالها وتأمين شروط انتقالها وازدهارها لدى الأجيال القادمة.

من جهته، قدّم الأستاذ عبد القادر حسيني، الباحث المختص في الفقه وأصوله بالمركز الجامعي "نور البشير" بالبيض، مداخلة بعنوان "التكامل الثقافي والمعرفي من خلال المخطوط الفقهي الأمازيغي المكتوب بالحرف العربي"، اعتبر فيها هذا المخطوط أحد الشواهد الحضارية التي تجسّد التفاعل الخلّاق بين الثقافة الأمازيغية والمرجعية الإسلامية في الجزائر. وأبرز أهمية الحرف العربي في احتضان اللسان الأمازيغي وتمكينه من الاندماج في المجال العلمي الإسلامي مع الحفاظ على خصوصيته، لافتاً إلى أنّ فقهاء الأمازيغ حافظوا على لغتهم وهويتهم الثقافية، وأسهموا في الوقت نفسه في إنتاج المعرفة الإسلامية ونقلها وتعليمها.

أما الدكتور عبد الكريم حمو، الباحث الدائم بالمركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بوهران، فقدّم مداخلة بعنوان "المخطوط الأمازيغي في الجزائر: دراسة توثيقية في مجالس حاضرة بجاية وزواياها العلمية في القرنين الثامن والتاسع الهجريين"، رأى فيها أنّ المدارس والزوايا العلمية في منطقة القبائل، وعلى رأسها حاضرة بجاية، إلى جانب الأوراس ووادي ميزاب، شكّلت الحاضنة التاريخية الكبرى لحفظ التراث الأمازيغي المخطوط. وأضاف أنّ العلماء في هذه المناطق لعبوا دوراً محورياً في تشكيل الهوية اللسانية الأمازيغية، عبر التدريس والتأليف الديني والمعرفي في علوم العقل والنقل، وترجمة ونظم أمهات المتون الفقهية واللغوية إلى اللسان الأمازيغي المكتوب بالحرف العربي، ضمن مجالس التدريس والإفتاء.

وبخصوص بجاية، أشار حمو إلى أنّ المدارس والزوايا والكتاتيب كانت تدوّن علومها باللغة العربية، غير أنّ بعض المخطوطات دُوّنت أيضاً باللسان الأمازيغي وبالحرف العربي. واستعرض عدداً من العلماء الذين مرّوا بالحاضرة، من سيدي بومدين الغوث وعبد الحق الإشبيلي، وصولاً إلى عبد الرحمن الثعالبي ومحمد بن عبد الرحمن الحوضي، مختتماً بالتأكيد على أنّ سقوط بجاية وتدميرها على يد الإسبان في أوائل القرن السادس عشر كان السبب في اندثار تراثها الفكري.