معرض "مامة للتأمّل" لجمال كحلي

"ذاكرة الصخر".. فلسفة الوجود ومختارات من الماورائيات

"ذاكرة الصخر".. فلسفة الوجود ومختارات من الماورائيات
الفنان الفيلسوف جمال كحلي
  • 159
مريم. ن مريم. ن

يدعو الفنان الفيلسوف جمال كحلي الجمهور إلى التفكير بعمق وهو يشاهد أعماله ويقف على المقاصد والدلالات، معطيا فسحة من الدهشة والاستمتاع والسفر نحو عوالم من الكون، والروح، والزمن، مع تمكينه من تلمّس ما يُعرض بالعيون، واكتشاف الأماكن بروحها قبل معالمها.."مادة للتأمّل" هي سفر شعري متناغم، ينظمّه التأمّل، والتفلسف.

زارت "المساء" معرض الفنان جمال كحلي "مادة للتأمل" الذي احتضنه رواق "محمد راسم" مؤخّرا،  حيث التقته للحديث عن أعماله المعروضة التي تميّزت ببصمتها الخاصة التي لا تشبه الرائج؛ لما فيها من إبداع، ورؤى منبثقة من أفكار ورؤى حاول الفنان إشراكها مع الجمهور؛ فعالم الفنان التشكيلي جمال كحلي هو الغوص في عمق المادة تقنيا وروحيا، ويستلهم من الصخر تلك المادة الميتة التي ستنبعث منها الحياة.

تجربة من أعماق المادة

يدعو الفنان في "مادة للتأمل"، المشاهدَ إلى تجربة غامرة في قلب المادة والجسد واللامرئي، علما أنّه فنان عصامي، كما أكّد لـ"المساء" ، وُلد سنة 1960 في برج القالة بولاية الطارف الخلابة. وهي منطقة تتميّز بالبحيرات العذبة والعميقة، التي استمدّ من طبيعتها الساحرة إلهامه.

وفي أعماله، كما أشار، تتحوّل المادة إلى لغة؛ فهي لم تعد مجرّد عنصر طبيعي، بل تصبح مادة حسية حاملة للآثار، والإيقاعات، والأبعاد الروحية. ويستكشف جمال كحلي من خلال الانتقال من العالم المجهري إلى العالم الرمزي، الكثير، متسائلا عن العلاقة العميقة بين الأرض، والإنسان والكون. وتعتمد تجربته الفنية على مقاربة متعدّدة التجارب، تشمل الرسم، والتصوير الفوتوغرافي، خاصة التصوير المجهري، إضافة إلى البحث التشكيلي. ويستخدم مواد مختلفة مثل الطين، والألياف، والرمل، والأصباغ المستخرجة من مواد طبيعية، ليعطي أعمالا حرّة تجمع بين الحدس والإحساس. وبين المرئي واللامرئي وبين المادة والروح، يزيل الفنان الحدود الفاصلة، حيث تصبح كلّ لوحة فضاء للتأمّل، ودعوة للتأني، والتفكير الداخلي.

الإبداع كسر للحواجز

قال الفنان كحلي إنّ الإبداع يعني كسر الحواجز. وكونه عصاميا في الفن فقد امتلك هذه الحرية، مؤكّدا أنّه متقاعد، كان يشغل منصب رئيس مصلحة مخبر الأحياء الدقيقة بالطارف. وبالنسبة للفن قال: "عشقت الفن كهواية. وفي سن الأربعينيات من عمري؛ أي في الألفية الثالثة، دخلت مجال الاحتراف. وعلى اعتبار أنّي ابن القالة الخلابة، فقد كانت البدايات عفوية، رسمت فيها طبيعة مسقط رأسي. ومع بعد المسافة فقد كانت هناك صعوبة في اقتناء إطارات للوحاتي، وكذلك القماش، فاضطررت لصنع كلّ شيء بيدي؛ ما مكّنني من الخروج من الإطار المربع والمستطيل إلى أشكال حرّة، فدخلت النحت، وبه امتزج التشكيل والنحت في مجرى واحد".

وعن أسلوبه الفني في هذا المعرض قال: "أسلوبي حرّ، يفتح لي مجال بحوثي المستقبلية. واللوحة هي مسافة زمكانية، نسبح في عمقها ومساحتها؛ ما يعطي سعادة الإبداع. وخصوصيتي هي أيضا أنّ عملي له خلفياته الميتافيزيقية ماورائية (أي ما وراء المادة). وشغفي كان جعل الألواح (اللوحات دون إطار) ذات أبعاد ممزوجة بين 3 اختصاصات، وهي الروحانيات، والعلميات، والفلسفيات، وبالتالي فإني أسبح بسعادة بين هذه العوامل الثلاثة، وأقوم بالاستكشاف من المجهريات إلى الكونيات، ومن المنظّم إلى العبثي ".

المعارف قيمة في الإبداع

أضاف التشكيلي أنّ لمعرضه ثلاثة محاور، وهي "الكونيات" . وتعكس الجزيئات الصغيرة للذرة، وصولا إلى الأجرام الكبيرة؛ مثل السدميات والمجرات، ثم "معرض صور فوتوغرافي" يحاكي خطاب الصخر عن طريق تصويره لأشكال الصخر؛ وكأنّها تحلم بالحياة؛ بتمثيل أشخاص وملامح بشرية تريد قول شيء ما. وخطاب الصخر هذا يوحي إلى المحور الثالث، وهو "الازدواجية" ؛ أي أنّ الصخر يلهم الفنان، فيحوّله إلى مادة تشكيلية، تجمع بين النحت والتشكيل، وبين الحياة والموت، مستشهدا بالآية 31 من سورة يونس: "ويخرج الحي من الميت".

وقال الفنان إنّه تعاطى العديد من المعارف كالفلكيات، وعلوم الأحياء، والجيولوجيا، والفلسفة والتصوّف وغيرها، معتبرا إياها تراكمات معرفية وحسية، جعلته يتّجه إلى أبعاد تشكيلية ليخاطب نفسه والناس بأفكار ماورائية. أما الألوان فهي مستمدة من بيئته بالطارف من ألوان الساحل، والسماء، والصخور الملوّنة. وتطرّق أيضا خلال حديثه مع "المساء" ، لـ "ذاكرة الصخر" ، قائلا: "أحسّ بذبذباتها، وذاكرتها الحسية ذات ملايين السنوات. وأترجمها عبر مجرى الزمن والمكان لأنقلها من مادة ميتة إلى أخرى حية".

وسألته "المساء" عن المواد التي يستعملها، فردّ أنّه يفضّل استعمال كلّ ما هو طبيعي يبقى مع الزمن؛ من ذلك الصخور، والخشب، والحبال، وعجينة الورق، وغيرها، بينما المواد الصناعية منها البلاستيكية سريعة التلف، فقلّما يستعملها. أما عن الأنوار فقال إنّه يحاول من خلالها الذهاب إلى النور حتى في فضاء الأجرام والكواكب. وهو لا يستعمل الأسود مباشرة؛ تفاديا للظلام، بل الأزرق القاتم، الذي يُذكّره ببحر القالة.

الفن الإسلامي بطيف صوفي

استرسل الفنان بالمناسبة في الحديث أيضا عن الفن الإسلامي الذي يمثّل رصيدا آخر في إبداعه، خاصة في بعده الصوفي، مستحضرا النسب الذهبية التي اخترعها ليوناردو فيبوناتشي في القرن الـ13م بعدما ترعرع في جامعة بجاية وتتلمذ على شيوخها في الرياضيات. وهذه النسب لاتزال إلى اليوم حاضرة في الهندسة المعمارية، وفي الفن التشكيلي، داعيا إلى كشف النقاب عن تراثنا الثقافي الوطني.

للإشارة، من بين اللوحات المعروضة هناك حبلان يلتفان بشكل متناظر، حول كرة ذهبية، ترمز للعلاقة بين الذكر والأنثى، وبين العقل والقلب، والماضي والمستقبل. وخلفية اللوحة بالأزرق تشبه ذاكرة البحر، الذي يرمي بأمواجه صوب الأعماق، التي هي الروح. وبالمعرض أيضا العديد من الأقراص والدوائر بشتى الأشكال والألوان والاتجاهات، تعكس المركز، والتأمل، والكون، وتعيد بناء أفكار توحي بقيمة الإنسان في هذا العالم. كما إن الدوائر والمراكز والتناظر والمذهب لها جذورها في الزخرفة الإسلامية. الفنان كحلي أقام منذ بداية سنة 2026 معرضين؛ أحدهما بتيزي وزو، والآخر ببرج بوعريريج. وقال إنّه سعيد بالتقاء الجمهور العاصمي لأوّل مرة.