وثائقي" لويزة إيغيل أحريز"

ذاكرة التعذيب ووجع الصمت

ذاكرة التعذيب ووجع الصمت
  • 250
دليلة مالك دليلة مالك

استقبلت قاعة "سينماتيك" الجزائر العاصمة، مساء الأربعاء الماضي، عرض الفيلم الوثائقي "لويزة إيغيل أحريز، مذكراتي الأخيرة"، للمخرج محمد والي، وسط حضور جماهيري، تفاعل مع المسار النضالي والإنساني للمجاهدة لويزة إيغيل أحريز، في عمل يستند إلى كتابها، الذي يحمل العنوان نفسه، ويستعيد فصولا مؤلمة من ذاكرتها الشخصية، تتقاطع فيها تضحيات الثورة التحريرية، مع جراح التعذيب الاستعماري، وآثار الصدمة التي ظلت حبيسة الصمت لعقود.

يشكل الفيلم، التفاتة سينمائية مهمة إلى مسيرة إحدى المجاهدات، اللواتي دفعن ثمنا باهظا في سبيل استقلال الجزائر، كما يمثل مبادرة لتوثيق أحداث بارزة من تاريخ الثورة التحريرية، لاسيما في الجزائر العاصمة. غير أن أهمية الشهادة التي تقدمها لويزة إيغيل أحريز، وما تنطوي عليه من معاناة إنسانية عميقة، كانت تستدعي معالجة سينمائية أكثر كثافة وتأثيرا، قادرة على نقل ثقل التجربة إلى المتفرج، واستثمار الإمكانات التعبيرية للصورة والصوت والصمت، بما يتناسب مع فداحة ما عاشته المجاهدة في سنوات الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي.

على مدار 52 دقيقة، يجمع العمل شهادات ومداخلات لأساتذة ومؤرخين وصحفيين، من بينهم محمد القورصو ومليكة بلعتروس وبنجامين ستورا، إلى جانب شهادة المجاهدة لويزة إيغيل أحريز، البالغة من العمر 90 عاما، التي تستعيد محطات من رحلتها النضالية، حين استجابت لنداء جبهة التحرير الوطني، وتركت مقاعد الدراسة الفرنسية للالتحاق بالعمل الفدائي، متكفلة بنقل الأسلحة والرسائل عبر الحواجز العسكرية الفرنسية، وهي لم تكن قد بلغت العشرين من عمرها.

وتكشف الشهادات الواردة في الفيلم عن أساليب، اعتمدتها المجاهدة لتجاوز الرقابة الاستعمارية المشددة، مستفيدة من قدرتها على التمويه واستدراج انتباه الجنود بعيدا عن مهمتها الحقيقية، قبل أن تنتهي مغامراتها باعتقالها سنة 1957، إثر انكشاف أمرها. ومن هذه اللحظة، ينتقل السرد من تفاصيل العمل الفدائي ومخاطره، إلى الوجه الأكثر قتامة في تجربة لويزة إيغيل أحريز، وهي الأسر والتعذيب والانتهاك الجسدي والنفسي، الذي تعرضت له على يد الاستعمار الفرنسي. "قصتي ليست مثالية، بل قصة شخصية"، تقول المجاهدة، في عبارة تختزل رغبتها في تقديم تجربتها بعيدا عن الصورة النمطية للبطولة، لتضع المتلقي أمام حكاية امرأة شابة وجدت نفسها في مواجهة آلة قمع استعمارية لم تتوان في استخدام أبشع أساليب التعذيب.

وهي شهادة لا تستمد أهميتها من بعدها التاريخي فحسب، بل من جرأتها في كشف الوجه الإنساني للحرب، وما تتركه التجارب العنيفة من ندوب تتجاوز لحظة وقوعها، وتستمر آثارها النفسية طويلا، بعد انقضاء المحنة. ومن أكثر محطات الفيلم إيلاما، حديث لويزة إيغيل أحريز عن تعرضها للاغتصاب على مدى ثلاثة أشهر، قبل أن تنهار صحيا ونفسيا، وتنقل إلى المستشفى.

ولم تكن معاناتها مقتصرة على ما تعرضت له خلال الاعتقال، بل امتدت إلى سنوات طويلة من الصمت، إذ احتفظت بجرحها بعيدا عن أقرب الناس إليها، ولم تكشف تفاصيل ما عاشته، إلا بعد مرور نحو أربعين سنة على استقلال الجزائر، وبعد وفاة والديها. فقد ظلت تخشى رد فعل والدها، رغم أنها كانت ضحية جريمة ارتكبت بحقها، في مفارقة مؤلمة، تكشف كيف يمكن للصدمة أن تتحول إلى عبء إضافي، حين تصطدم آلام الضحايا، بالخوف من الأحكام الاجتماعية والعائلية.

هنا، لا يعود الصمت مجرد تفصيل في سيرة المجاهدة، بل يصبح جزءا من المأساة نفسها، فإلى جانب العنف الاستعماري الذي استهدف جسدها وكرامتها، وجدت لويزة نفسها مضطرة إلى حمل ذاكرتها وحدها، وتأجيل البوح بتجربتها سنوات طويلة.  وفي محاولة لتقريب هذه التجربة من المتفرج، لجأ المخرج محمد والي، إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، لتجسيد بعض المشاهد المرتبطة بمسيرة المجاهدة.

ويطرح هذا الخيار تحديا فنيا وتوثيقيا في آن واحد، إذ يمكن للصورة المعاد بناؤها، أن تمنح الأحداث بعدا بصريا، لكنها تظل مطالبة بالحفاظ على التمييز بين الوقائع الموثقة وإعادة التمثيل، حتى لا تطغى المحاكاة على قوة الشهادة الأصلية، أو تحل محلها. وقد عكس التفاعل الجماهيري خلال العرض، حجم التعاطف مع لويزة إيغيل أحريز، التي بدت قصتها أبعد من مجرد استعادة لسيرة مجاهدة، إنها شهادة عن امرأة واجهت الاستعمار في شبابها، ثم واجهت وحدها، لسنوات طويلة، وطأة ذاكرة مثقلة بالعنف والخوف.