"الهوية المعمارية الجزائرية: أصالة وتجديد"

دعوة للموازنة بين الخصوصية المعمارية ومتطلّبات التجديد والعصرنة

دعوة للموازنة بين الخصوصية المعمارية ومتطلّبات التجديد والعصرنة
  • 262
مريم. ن مريم. ن

 احتضن المركز الثقافي بجامع الجزائر نهاية الأسبوع، أشغال اليوم الدراسي "الهوية المعمارية الجزائرية: أصالة وتجديد"، بالتعاون مع المجلس الوطني لهيئة المهندسين المعماريين، وبحضور خبراء ومهندسين، تمت فيه الدعوة للانخراط في مشروع وطني متكامل، يعيد إحياء  وتجديد الخصوصية الجزائرية في المعمار، مع طرح الوسائل والطرق الممكنة لتجسيدها، وإخراجها من إطارها النظري الصرف.

ألقى الأستاذ موسى إسماعيل، رئيس المجلس العلمي بجامع الجزائر، كلمة ترحيبية، تناول فيها حضور الهوية المعمارية الجزائرية في تاريخ الأمة الجزائرية، موضّحا أنّ "من أوجب الواجبات الاعتزاز بها، وحمايتها، وإضفاء الحصانة القانونية والثقافية لحمايتها" . كما استعرض حال هذه العمارة إبّان فترة الاستعمار، وكيف تعرّضت للطمس كي لا تبقى شاهدا على الماضي. ولكن رغم ذلك بقيت، حسبه، الشواهد المتمثّلة في الآثار والمدن والقرى والقلاع والقصبات وغيرها، دليلا ينطق بهذه الخصوصية التي امتزجت فيها الثقافة المحلية بالتعاليم الإسلامية، ليدعو في الختام لاستغلال هذه الخصوصية اليوم، وإعادة إحيائها في مختلف المشاريع؛ كي لا تضيع مع رياح العولمة.

جامع الجزائر أنموذجٌ معماريٌّ متوازنٌ

أسهب السيد حسان مالكية، رئيس المجلس الوطني لهيئة المهندسين المعماريين، خلال كلمته، في الحديث عن التراث المعماري الجزائري، الذي يحتاج، اليوم، إلى مزيد من المعالم التراثية الزاخرة، مستشهدا بجامع الجزائر" ، الذي أصبح أنموذجا معماريا متوازنا، جمع بين عمق المرجعية الحضارية وجرأة الحلول التقنية"، مؤكّدا التزام الهيئة بأن يكون "هذا الصرح قاطرة لترسيخ مدرسة معمارية جزائرية معاصرة، ومختبرا حضاريا تنطلق منه السياسات العمرانية الوطنية التي تجعل من الأصالة رافعة، ومن الهوية مشروعا متجددا"، مضيفا أنّ اللقاء هو عمل مشترك، وحوار عميق للنهوض بآفاق العمارة. بعدها عُرض شريط وثائقي بعنوان "عمارة ذات هوية" ، تضمَّن آراء بعض طلبة المدرسة متعدّدة التقنيات للهندسة والعمران، الذين ثمّنوا أيّ مبادرات تستغل تراثنا المعماري؛ كي يبقى وفيا لهويتنا الجزائرية، مقدّمين بعض الاقتراحات المهمة.

وانطلقت الجلسة العلمية الأولى، وكان محورها "أصالة الهوية المعمارية الجزائرية" التي ترأّسها الأستاذ عبد المجيد لزرق، الذي وصف العمارة بالمزيج المعقّد الذي تراكم عبر التاريخ، وعرف عدّة محطات؛ أي منذ التاريخ القديم إلى التاريخ النوميدي والروماني، وغيرهما، وصولا إلى العمارة الإسلامية، التي هي جوهر العمارة الجزائرية؛ ففيها بُنيت القلاع، والقصور، والقصبات، زيادة على العمارة الصحراوية التي منها العمارة الميزابية بغرداية. كما تحدّث عن العمارة في العهد العثماني بالجزائر، ثم في الحقبة الاستعمارية التي جاءت بالنمط الأوروبي الكلاسيكي، ليظهر بعدها التيار الموريسكي كإرضاء للجزائريين، والعودة إلى بعض خصوصيات العمارة الجزائرية. وبعد الاستقلال كانت هناك بعض المحاولات، وعلى رأسها جامعة الأمير عبد القادر، ثم جامع الجزائر.

العمارة في بعدها الأخلاقي

بدورها، قدّمت الدكتورة والباحثة المهندسة باية بلمسعود بوخالفة، تدخّلها "الحمض النووي (الجيني) المعماري الوطني" ، مستعرضة فيه المدينة كنظام أخلاقي يتجاوز الكيان المادي والجدران، وأنّ المدينة في المعمار الجزائري لم تكن تُبنى بالصدفة، بل بقرارات أخلاقية. وكلّ قرار له خطّ، ومعنى، وعواقب. يترجم العلاقات الاجتماعية مع الجار، والخاص، والعام، وبالتالي فإنّ المدينة، حسبها، لم تكن محايدة، وأنّ الحمض أو الجينيوم كان المُعبّر العميق عن قيم المجتمع. وقد مَثلت بمنطقة يزقن، وقرى قبائلية، ومن القصبة، لتصل إلى أنّ المظهر انفصل عن الجوهر مع دخول الاستعمار الفرنسي. للإشارة، كوّنت الدكتورة باية أجيالا من المعماريين والمخططين الحضريين. وكرست مسارها العلمي في ترسيخ مبدأ إعادة وضع البعد الأخلاقي في صميم الفكر والتصميم العمراني، مؤكدة دوما أن الفضاء الحضري نتاج خيارات قيمية.

العمارة الكولونيالية تركة ثقيلة

كما قدّم الدكتور والخبير الدولي مصطفى بن حموش في هذه الجلسة، "واقع العمارة في الجزائر بعد الاستقلال" ؛ حيث أكّد أنّ الجزائر ورثت عمارة كولونيالية، وهي تركة ثقيلة طمست الجزائرية الأصيلة. وأحيانا كان هناك تعايش اضطراري بين الموريسكية والفرنسية. وقد حثّ، بالمناسبة، على تأسيس مخابر بحث خاصة بالعمارة الجزائرية عوض الاعتماد، فقط، على ما قدّمته الدراسات الفرنسية عنها، زيادة على مراجعة السياسات العمرانية، مع اعتماد مقاربة توازن بين الخصوصية ومتطلّبات العصر، تستجيب لتطلّعات المجتمع الجزائري.

وشهدت الجلسة الثانية "جامع الجزائر: باعث التجديد والمعاصرة، الهوية الجزائرية آفاق" التي ترأّسها الأستاذ بلقاسم عدوان، عرضا للمهندس هيثم أمين دغموم "جماليات العمارة الجزائرية وتفاعلها مع البيئة" ؛ من خلال قراءة تجاوزت الجانب الشكلي والزخرفي، إلى تفاعل عميق بين الفكر المعماري والبيئة والهوية؛ ما يستجيب لمتطلّبات المجتمع، وللتحديات المناخية، وبالتالي خلص إلى أنّ التراث ليس، فقط، ذاكرة شكلية، بل هو، أيضا، أساس للتجديد، ولمتطلّبات العصر.

وخصّص الخبير المعماري أحمد كودية مداخلته لـ "جامع الجزائر كملهم للتجديد في العمارة"، لإبراز مدى تمكّن جامع الجزائر من ربط الخصوصية المعمارية الجزائرية بالعصرنة، مقترحا مناقشة الأطر القانونية المؤطرة لهذا الجانب؛ لإدماج هذا البعد من هويتنا في الممارسة العمرانية التخطيطية، وإشراك جميع الفاعلين من مصممين ومستعملين وصنّاع قرار.

وشهد الاختتام مجموعة من التدخلات والتعقيبات من خبراء ومهندسين، بعضهم اقترح إدراج الخصوصية المعمارية الجزائرية في دفتر الشروط لمكاتب دراسات، فيما أكّد آخرون على تدعيم التكوين المهني في هذا المجال. وقدّم آخر تجربة أحد المشاريع الكبرى بغرداية، التي زاوجت بين المعمار المحلي والعصري، والذي نال شهرة داخل وخارج الجزائر.

كما شهد الاختتام تكريم الأساتذة المحاضرين، مع قراءة شعرية قدّمتها فتيحة معمري "في حضرة المعنى"، لتعلن بعدها لجنة صياغة التوصيات، مقترحاتها؛ منها تعزيز وتوعية المجتمع بأهمية الهوية المعمارية الجزائرية، وكذا تفعيل النصوص القانونية والتنظيمية في هذا المنحى الخاص بالهوية المعمارية بالتنسيق مع مختلف الجهات، وإطلاق "الأطلس المعماري الجزائري"، وضرورة مراعاة الجوانب الجمالية والفنية، مع الحفاظ على الخصوصية الجزائرية، واحترام الطابع المحلي في التصاميم الهندسية، واقتراح اتفاقية مشتركة بين هيئة المهندسين الجزائريين والجامعيين وجامع الجزائر، واقتراح ترقية هذا اليوم الدراسي إلى ملتقى وطني. كما طُلب من المحاضرين تقديم مداخلاتهم مكتوبة؛ لنشرها ضمن مطبوعات جامع الجزائر