مع أخذ الحيطة في رقمنة التراث
دعوة إلى حماية التراث الفلسطيني
- 636
لطيفة داريب
مواصلة لإحياء شهر التراث، الذي اختتمت فعالياته مؤخرا، نظم المتحف العمومي الوطني للفنون والتقاليد الشعبية، أول أمس، محاضرتين، من تقديم الأستاذتين شفيقة عاشور وعائشة حنفي.
بالمناسبة، قالت الأستاذة شفيقة عاشور في مداخلتها الموسومة بـ«دور الرقمنة في حماية المجموعات المتحفية”، إن عملية حفظ أو رقمنة المجموعات المتحفية في متاحفنا كانت تتم بوسائل تقليدية، كالبطاقات التقنية الورقية المعروفة لدى غالبيتنا، والتي أعدت خصيصا لذلك، تحمل كل المعلومات الخاصة والمرتبطة بالتحفة. أما عملية الرقمنة، فقد كانت بدايتها تتمثل في الجانب التصويري، وذلك بأخذ صور للتحفة واستخراجها باللون الأبيض والأسود، ثم بالألوان.
تحدثت الأستاذة عن أهمية مواكبة التطور التكنولوجي والعلمي لإبراز تراثنا، وتتمثل تحديدا في رقمنة كل المعلومات وتحويلها إلى شكل مقروء، باستخدام أجهزة حديثة وتقنيات متخصصة، كجهاز المسح الضوئي، وآلات التصوير الرقمية وأجهزة الكمبيوتر ومختلف برامج التقاط الصور، وبواسطة الإشارات والحاسبات الآلية عبر النظام الثنائي، الذي يقوم بتحويل المعلومات إلى مجموعة من الأرقام الثنائية، إلى جانب البرامج التوثيقية الخاصة بتسيير وتوثيق جميع المعلومات والبيانات الخاصة بالمجموعات المتحفية، كنظام "أفريكوم" وغيرها.
وتابعت المتدخلة، أنه لإنجاح عملية الرقمنة، كان لابد من توفير أجهزة لا يمكن الاستغناء عنها، وهي أجهزة الإعلام الآلي، الكمبيوتر، الماسح الضوئي (السكانير) وآلات التصوير الرقمية.
في المقابل، أشارت المحاضرة إلى أهمية استغلال البرامج التوثيقية التي تحتوي على قاعدة بيانات وبرامج معالجة الصور، من خلال يسر استعمالها وسهولة الاطلاع عليها واستخراجها عند الحاجة، لتوفر لنا خدمات كثيرة وبالغة الأهمية.
واعتبرت عاشور أن عملية الرقمنة، رغم أهميتها والتسهيلات التي تمنحها لنا في حماية وحفظ التراث، لكن لابد من الإقرار بأن البيئة الرقمية والتطور التكنولوجي الرهيب الذي يعرفه العالم، ولا يمكن مراقبته بالشكل الكافي، فهو سلاح ذو حدين، يفرض علينا تطوير ذواتنا في هذا المجال، حتى لا تصبح ضحية للهجومات السيبرانية وأعمال القرصنة، بتكوين مستمر لمهندسي الإعلام الآلي في المتاحف.
كما أن استحداث منصات بيانية خاصة بالتراث، قد تمنح الفرصة للتجارة غير الشرعية للتلاعب بالتراث الثقافي، ورغم ذلك، فهي تعتبر خطوة هامة وجيدة، وفي نفس الوقت مخاطرة يجب اعتمادها، مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة بإرساء الضوابط القانونية وتفعليها، في حين يمكن استغلال نفس الآليات، بالتنسيق مع المصالح المختصة في مكافحة تهريب والاتجار غير القانوني بالتراث الثقافي، كالجمارك والدرك وشرطة الحدود والقوات البحرية، ـ تضيف الأستاذة-
وتابعت مجددا، أنه في هذا الصدد، تعتمد الوزارة الوصية على برمجة دورات تكوينية في مجال حماية التراث الثقافي الوطني لفائدة المصالح المختصة، من أجل التقرب والتعرف أكثر على هذا التراث الأثري والثقافي، وصونه وحمايته، على غرار الدورة الأخيرة لفائدة إطارات الأمن الوطني. كما تم برمجة دورة تكوينية لفائدة كل من رؤساء المجالس الشعبية وكذا القضاة، وهي مبادرة من شأنها أن تجعل المعنيين أكثر قربا ومعرفة بالتراث الأثري والثقافي الوطني، وتعطي دفعا قويا للدفاع عن الهوية وثوابت الأمة.
سرقة وتدمير التراث الفلسطيني المادي وغير المادي
من جهتها، قدمت الأستاذة عائشة حنفي مداخلة، بعنوان "واقع التراث الفلسطيني خلال العدوان الإسرائيلي وسبل حمايته"، ذكرت فيها حزمة من القوانين والاتفاقيات الدولية، التي تنص على حماية التراث المصنف عالميا، لكن، هيهات لم ينجو تراث فلسطين من الدمار اللاحق بتراثه المادي وغير المادي.
وقدمت الدكتورة أمثلة عن بعض المعالم التاريخية الفلسطينية، سواء الإسلامية أو المسيحية التي لم تسلم من الحرب، مضيفة أن الفلسطينيين يرممون دائما معالمهم التي تعرضت للتخريب والقصف، وكلهم صمود ومقاومة.
بالمقابل، ذكرت وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، أن مجموعة من المواقع الأثرية المهمة قد تضررت، بعدما طالها القصف الإسرائيلي، وكشفت الإحصائيات عن أن آلة الدمار الإسرائيلية استهدفت ودمرت أكثر من 200 موقع أثري وتراثي، من أصل 325 موقع في القطاع.
واعتبرت حنيفي أن حماية الموروث الثقافي الفلسطيني، المادي منه وغير المادي، مسؤولية الجميع، كما دعت المجتمع الدولي إلى توفير حماية أكثر قوة للمدنيين والأعيان المدنية أثناء النزاع المسلح، وهو ما يؤدي تلقائيا إلى تعزيز الحماية حول الممتلكات الثقافية، وطالبت أيضا من الدول التصرف بيقظة، وأن تقدم طلبا للحصول على شارة الحماية وتسجيل ممتلكاتها كتراث ثقافي. علاوة على أهمية وضع خطة حماية شاملة استباقية، من خلال دعم ودمج المجتمع المحلي في عملية الحماية.
وأكدت على ضرورة التزام المجتمع الدولي بالدعم التقني والمادي، لترميم وحماية التراث الثقافي المتضرر، بعد توقف الحرب. كما يجب التفكير في سياسات دولية لحماية التراث الثقافي، خاصة في حالة طول أمد الحرب، وحتى بسبب همجتها.
ونظرا لأن الضرر الذي يلحق بالممتلكات الثقافية يعد انتهاكا جسيما، بالتالي يعاقب عليه بموجب جريمة حرب، حسب ما جاء في البروتوكول الإضافي من اتفاقية جنيف 1977م، فبإمكان المحكمة الجنائية الدولية، أن تكون لاعبا رئيسيا مهما في محاكمة المسؤولين ومعاقبتهم، وتقوم بتغطية الفجوة القائمة فيما يتعلق بمصطلح "الضرورة العسكرية"، إلى جانب العواقب الدقيقة والمبسطة للدول التي تستهدف الممتلكات الثقافية عمدا.