الوكالة الوطنية للآثار
خطوة رئاسية لتحويل الذاكرة إلى أولوية سيادية
- 126
نوال جاوت
أطلقت الجزائر محطة جديدة في إدارة ملفها التراثي عبر قرار استحداث الوكالة الوطنية للآثار، الملحقة مباشرة برئاسة الجمهورية؛ ما يعكس تصعيدًا مؤسّساتيا واضحًا يتجاوز طابعها الإداري، لتعلن أنّ التراث لم يعد مجالا ثقافيا هامشيا، بل قضية سيادية تمسّ الذاكرة والهوية والاقتصاد الوطني، في انتظار أن تترجَم هذه البادرة السياسية إلى إجراءات ملموسة تغيّر واقعا طويلاً من التشتّت، والنقص المالي، والثغرات القانونية.
على مدار سنوات، عانى ملف حماية التراث من تداخل الصلاحيات بين مؤسّسات متعدّدة؛ نقائص في تطبيق النصوص، وقيود في القدرات الميدانية والأمنية. فقانون 9804 رغم كونه ركيزة التشريع الوطني لحماية التراث، بات غير كافٍ أمام مستجدات العصر كالرقمنة، وتزايد الاتجار الدولي غير المشروع بالممتلكات الثقافية، والحاجة إلى إدماج البعد الاقتصادي المستدام للتراث.
ويهدف إنشاء وكالة وطنية مستقلة تخضع لسلطة رئاسية مباشرة، إلى حسم هذا التشتّت عبر إرساء هياكل واضحة للتنسيق بين الثقافة، والداخلية، والجمارك، والدرك والجهات المحلية، في لحظة فارقة في علاقة الجزائر بذاكرتها. وسيصبح التراث ليس فقط ما نحتفظ به من ماضٍ، بل رافدًا للتنمية، وهويًة تُحفظ، وتُستثمر.
ومُنحت الوكالة قدرة تنفيذية أسرع وأوسع من خلال استقلالها عن التسلسل الإداري المعتاد، ما سيساعد على إصدار قرارات حماية سريعة، وفرض قيود على مشاريع بنية تحتية مهددة للمواقع الأثرية، وتنفيذ عمليات استرجاع للتشطيبات واللقاءات الثقافية بشكل أكثر فاعلية. كما إنّ خطوة إدراج شرطة مختصة بالآثار داخل هندسة الوكالة، توفّر العنصر الأمني الضروري لردع الاعتداءات والاتجار، وتسهيل التحقيقات القضائية بالتعاون مع النيابات المختصة.
وحسب مهتمين بملف التراث، فإنّ نجاح الوكالة مرتبط بثلاث ركائز مكملة، هي تحديث الإطار القانوني، وتأمين تمويل مستدام، وبلورة نموذج تسيير يوازن بين الحماية والتثمين، فمراجعة قانون 9804 (المطروح للتعديل منذ ماي 2024) ضرورة ملحة، إذ لا بدّ من إدخال مفاهيم جديدة واضحة كحماية التراث غير المادي، وضبط آليات الرقمنة ونسخ السجلات، وتحديد معايير الشراكات مع القطاع الخاص، واشتراطات الاستغلال الاقتصادي للمواقع.
وينبغي، حسب نفس المصادر، أن يتضمّن النصّ المعدّل آليات عقابية رادعة ضدّ التخريب والتهريب، وإجراءات استثنائية لحماية المواقع أثناء مشاريع التهيئة العمرانية. كذلك مطلوب فصل صريح لمسارات التنسيق بين الوكالة والوزارات والأجهزة القضائية؛ لتفادي التداخل.
وفي ما يتعلّق بالتمويل، فالمشاريع الجدية في الجرد، والرقمنة، والترميم، وإدارة المواقع، تتطلّب موارد مستمرة، وطويلة الأمد. كما إنّ الانتقال من تمويل مركزي تقليدي إلى "سلة تمويل" متنوّعة، يُعدّ خيارًا عقلانيًا عبر الموازنة بين اعتمادات الدولة، ومساهمات الجماعات المحلية، وشراكات مؤطرة مع القطاع الخاص، ومساعي جذب تمويل دولي ومنح اليونسكو. لكن الأمر ينطوي على مخاطرة، مفادها ضرورة وضع ضوابط صارمة تمنع خصخصة الذاكرة أو تحويل المواقع إلى منتجات استهلاكية تخلو من المعنى الثقافي.
ويجب على القانون الجديد أن يحدّد نطاق الشراكات، وشروط الترخيص والرقابة. أما في ما يخصّ التسيير والحوكمة، حسب نفس الخبراء والمتابعين، فالوكالة مطالبة بتطبيق مبادئ الشفافية والمساءلة، ومؤشرات أداء واضحة (عدد المواقع المرقمة والمرقمنة، ونسب تراجع الحوادث والتهريب، وموازنات مخصّصة وتأثيرها)، وآليات إشراك المجتمع المدني والباحثين، وبرامج تدريب مستمر للقوى الأمنية والعاملين التراثيين.
لا بد أيضًا من الاستثمار في نظم معلومات جغرافية لخرائط التراث الوطنية، وربطها بقاعدة بيانات مركزية، تضمن متابعة مقتنيات المتاحف، ومراقبة حركة القطع.تحويل التراث إلى مورد اقتصادي ممكن وضروري، شرط أن يكون ذلك في إطار تنمية مستدامة، تحمي الأصول، وترفع منافع المجتمع المحلي. السيناريو الإيجابي هو أن تشكّل المواقع الأثرية محاور لتنمية سياحية متوازنة، مبنية على مسارات سياحية مُدارة جيّدا، ومنتوجات حرفية مرتبطة بالتراث، ومشاريع ثقافية تخلق مناصب شغل محلية. لكن لتحقيق ذلك تحتاج السياسات إلى رؤية متكاملة، تربط الثقافة بالتخطيط العمراني، والتعليم، والتنمية المحلية.
ولا يقلّ البعد الاجتماعي أهمية عن البعد المؤسّسي والقانوني، حيث إنّ نجاح حماية التراث، مردّه أيضًا إلى وعي عام يربط المواطن بذاكرته، ومناهج تعليمية تُدخل التراث ضمن المحتوى المدرسي، وإعلام يُبرز قيمة المحميات والمواقع، وغياب الوعي يؤدي إلى تراخٍ في احترام المواقع، بينما الوعي يخلق حاضنة شعبية، تقف كحائط صدّ أمام أيّ مساس بالذاكرة الجماعية.
وتعكس الوكالة الوطنية للآثار طموحًا واضحًا: نقل ملف التراث من خانة الشعارات إلى خانة الأولويات التنفيذية، لكنها، كما هي الحال مع أي إصلاح، تحتاج إلى مقومات التنفيذ؛ كي لا تبقى مجرد عنوان. المقاييس التي ستحدد نجاحها ليست شعارات الافتتاح، بل نتائج قابلة للقياس: مدى تقدّم جداول الجرد والرقمنة، وعدد عمليات الاسترداد، وانخفاض الاعتداءات والتهريب، وتحقيق منافع اقتصادية واجتماعية حقيقية للمجتمعات المحيطة بالمواقع.