ندوة "سؤال الذاكرة في سردية الصحراء"
خزائن من الحكايات تقاوم النسيان
- 150
دليلة مالك
استعاد أدباء وباحثون من الجنوب الجزائري خلال لقاء احتضنه صالون الجزائر الدولي للكتاب، ملامح الذاكرة الصحراوية؛ باعتبارها إرثًا إنسانيًا وثقافيًا يتجاوز جغرافيا المكان، مؤكّدين أنّ الكتابة باتت إحدى أهم الوسائل لحفظ هذا الموروث من الاندثار، ونقله إلى الأجيال القادمة.
ليست الصحراء ذلك الامتداد الجغرافي الذي توحي به الصور النمطية، ولا فضاءً تختصره الرمال والجمال والواحات بقدر ما هي ذاكرة مفتوحة على حكايات الإنسان، وتحوّلاته، وعلى تاريخ من التقاليد والمعتقدات والتجارب التي تناقلتها الأجيال عبر الرواية الشفوية، والمخطوطات والشعر. ومن هذا المنطلق شكّلت إشكالية الذاكرة في السرد الصحراوي، محور لقاء أدبي احتضنته قاعة “الطاهر وطار” ضمن فعاليات الدورة التاسعة والعشرين من صالون الجزائر الدولي للكتاب، بمشاركة كتّاب وباحثين من مناطق مختلفة من الجنوب الجزائري.
ولم يكن اللقاء مجرّد استعادة لتجارب الكتابة في الفضاء الصحراوي، بل شكّل مناسبة لطرح أسئلة تتّصل بعلاقة الأدب بالهوية والمكان، وبمسؤولية الكاتب في توثيق الذاكرة الجماعية، خاصة في ظلّ تراجع بعض أشكال التعبير الشفوي، واختفاء جوانب من التراث الشعبي الذي ظلّ لقرون، جزءًا من الحياة اليومية لسكان الجنوب.
في هذا السياق، توقّف الباحث والكاتب عبد الهادي دحدوح من تمنراست، عند التجارب الروائية في الفضاء الصحراوي، معتبرًا أنّ الصحراء رغم ما توحي به من فراغ واتّساع، تختزن طبقات عميقة من الذاكرة الإنسانية؛ فالحكايات المتوارَثة، والفقارات، وروايات الأجداد، وحتى العلامات المرتبطة بالسماء والطبيعة، كلّها شواهد على ذاكرة لاتزال حاضرة في وجدان المجتمع المحلي.
وأشار إلى أنّ الراوي في الثقافة الصحراوية لا يؤدي وظيفة الحكي فحسب، وإنّما يضطلع بدور حارس الذاكرة، وحامل الموروث؛ باعتباره حلقة وصل بين الماضي والحاضر. واستحضر في هذا الشأن تجارب أدبية لكلّ من مولود فرطوني وصادق حاج أحمد زيواني، مبرزًا كيف تجاوزت أعمالهما الوصف التقليدي للمكان، نحو استكشاف عمقه الإفريقي، وأبعاده الثقافية والتاريخية.
ومن بين الأعمال التي عكست هذا التوجّه ذكر "ذاكرة الزيبان"، و"رحلات في بلاد السافانا"، و"رفيق درب النسيان والتيه”، و"تنفها". وهي نصوص تجعل من الصحراء فضاءً للسرد، واستعادة الذاكرة الجماعية لا مجرّد خلفية للأحداث. وشدّد دحدوح على أنّ الكتابة في هذا السياق تتجاوز بعدها الإبداعي، لتصبح مسؤولية وطنية، قائلًا: “نحن لا نكتب من أجل الكتابة، بل لأن الكتابة مسؤولية".
من زاوية أخرى، طرح الكاتب بوتفاح صباغ المنحدر من تقرت، مسألة واقع الإبداع الأدبي في الجنوب، مستعيدًا مسارات عدد من الأسماء التي أسهمت في تشكيل المشهد الأدبي بالمنطقة؛ على غرار محمد لخضر السائحي، ومحمد عبد القادر السائحي. كما توقّف عند الصعوبات التي تواجه الكاتب في بيئة لا تتوفّر دائمًا على فضاءات ووسائل كافية للاحتضان، والإنتاج الأدبي.
وباعتباره صاحب ستّ مجموعات قصصية وروايات، تحدّث صباغ عن حضور ذاكرة العشرية السوداء في تجربته الروائية، إلى جانب انشغاله بالقضايا الاجتماعية، والتحوّلات التي يعيشها المجتمع الصحراوي، خاصة ما يتّصل بواقع الشباب، وتحدياته. وانتقد، في هذا الإطار، استمرار اختزال الصحراء في صور نمطية تربطها بالعقارب، والنفط، والجمال، معتبرًا أنّ تطوّر وسائل الإعلام والاتصال يفتح المجال أمام تقديم صورة أكثر تنوّعًا وعمقًا عن المنطقة، وسكانها.
أما الكاتبة سعيدة عريبي من أدرار، فقد اختارت مقاربة الذاكرة من خلال المكان، في مداخلة حملت عنوان "سيرة المكان من خلال الذاكرة الإنسانية". وانطلقت من نصّ تناولت فيه قصر مطريون بمنطقة جبل، لتبرز كيف تختزن الأمكنة تاريخ ساكنيها، وكيف تتحوّل تفاصيلها العمرانية والطبيعية إلى شواهد على حياة جماعية صنعتها أجيال متعاقبة. فالذاكرة، وفق هذه المقاربة، لا تسكن الإنسان وحده، بل تقيم أيضًا في الحجارة، والفضاءات، والرموز، والعلاقات الاجتماعية التي تمنح المكان خصوصيته، وهويته. ومن هنا يصبح توثيق المكان شكلًا من أشكال استعادة الذاكرة الإنسانية، التي أسهم الرجال والنساء في بنائها عبر الزمن.
في السياق نفسه، سلّطت مريم يوسفات من تندوف، الضوء على الأبعاد التاريخية والهوياتية للفضاء الصحراوي، مؤكّدة أنّ السرد يمثّل وسيلة أساسية لمقاومة النسيان، وصون الذاكرة الجماعية. وتناولت في مداخلتها الأحياء القديمة لمدينة تندوف، وما تختزنه من موروث مادي وغير مادي. كما أبرزت الدور الذي اضطلعت به النساء في الحفاظ على التقاليد الشعبية، ونقلها، خاصة من خلال المديح الديني في الشعر الحساني.
ولم تغب الوثيقة التاريخية عن النقاش؛ حيث قدّم لعيد بودة من إيليزي، قراءة في مراسلات علماء الجنوب الجزائري خلال الفترة الاستعمارية بين عامي 1953 و1961، مستندًا إلى أرشيف جدّه الإمام والمجاهد سيدي الشيخ محمد بودة. وتتبع من خلال هذه الوثائق مسارًا علميّا ودينيّا امتد من منطقة تيديكلت بناحية أولف، وصولًا إلى تخوم طاسيلي ناجر بمنطقة برج الحواس.