صدى الأندلس في "روح الباناف"

خبراء يغوصون في أصول التراث الموسيقيّ

خبراء يغوصون في أصول التراث الموسيقيّ
  • 152
آية توازي آية توازي

شهد فضاء "روح الباناف" بصالون الجزائر الدولي للكتاب في طبعته التاسعة والعشرين، محطة فكرية وتاريخية بالغة الأهمية، اجتمعت فيها نخبة من الأكاديميين والباحثين والممارسين الموسيقيين؛ لتفكيك واحدة من أعمق القضايا التراثية والثقافية، تحت عنوان "الموسيقى الأندلسية من الأصول حتى يومنا هذا".

افتُتحت الندوة بطرح تساؤل جوهري حول تسمية هذا الفن العريق: هل الأجدر نعته بـ"الموسيقى الكلاسيكية الجزائرية" أم "الموسيقى الأندلسية"؟ وهو تساؤل يحمل في طياته إشكاليات عريضة تتعلّق بمدى ارتباط النصّ الموسيقي بنشأته التاريخية، وبتطوّر المدركات اللغوية والأسلوبية. واستهلت فازيلات ديف مداخلتها بالحديث عن تطوّر تاريخ الموسيقى الكلاسيكية الأندلسية والمغاربية، وتأصّلها التاريخي والثقافي، مشيرة إلى أنّ تسمية الموسيقى الأندلسية وتحديد جذورها أمران معقّدان للغاية نظرًا إلى امتدادها التاريخي والجغرافي الواسع، وصعوبة تحديد الفترة الزمنية، والسلطة التي ازدهرت في ظلّها، وهو أمر لايزال محل نقاش.

في هذا السياق، ترى المتحدّثة أنّ هذه الموسيقى، في مجملها، "أصيلة أندلسية"، لكنّها تكيّفت، وتأقلمت بقوّة مع مختلف مناطق المغرب العربي عبر القرون. وأشارت إلى التبادل الثقافي والتاريخي المستمر بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، مؤكّدة أنّ التراث الموسيقي لم ينشأ دفعة واحدة، بل تشكّل تدريجيا عبر القرون؛ نتيجة الاحتكاك، والتبادل، والتأثير المتبادَل بين شعوب المنطقة، في مدن مثل تلمسان، والجزائر، وقسنطينة وغيرها، وهو ما منح كلّ منطقة طابعها، و"لونها" الخاص مع الحفاظ على الجذور المشتركة. في هذا الصدد، أوضحت ديف أنّ الموسيقى الأندلسية تشبّعت أيضًا بمسحة من الموسيقى الأمازيغية، وأنه لا يمكن نفي وجود تداخل وامتزاج بين التراثين، فضلًا عن تطوّر آليات العرض، والأداء؛ من الآلات البسيطة قديمًا إلى الأوركسترا، والآلات المتنوّعة حديثًا. 

وفي الجانب المنهجي، فضّلت الأستاذة استخدام مصطلحات تتعلق بـ"التيارات الأسلوبية اللغوية والموسيقية” ؛ مثل أسلوب تلمسان، وأسلوب الجزائر، وأسلوب قسنطينة بدلًا من الاعتماد المطلق على تسميات المدارس التقليدية البحتة؛ لما يتيحه ذلك من دقة في تتبُّع الخصوصيات الفنية المحلية. من جانبه، أوضح الأستاذ فيصل بن قلفاط أنّ هذا الفن انتقل تاريخيًا من المشافهة بين الشيخ والمتعلّم، ليصل تدريجيًا إلى المؤسّسات، وخاصة المدارس الموسيقية. 

وفي ما يخصّ أزمة الهياكل ونقص التوثيق، أشار إلى أنّ الفترات السابقة خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، عانت نقصًا كبيرًا في الهياكل والتوثيق المكتوب، الذي يثبت تفاصيل الممارسات الفنية، حيث كانت المعلومات تعتمد على النقل الشفوي، وتفتقر إلى التدوين العلمي المنظّم مقارنة بالفترات اللاحقة للحرب العالمية. كما تطرّق لدور النخبة والأوساط الفنية، مبيّنًا أنّ الممارسين في تلك الأوساط سواء في الجزائر العاصمة أو قسنطينة أو تلمسان، كانوا من العارفين، وذوي التكوين المتميّز في المجالات الدينية والروحية، والموسيقى الاحترافية، وهو ما ضمن استمرارية هذا التراث بروح عالية رغم التحديات.

ومن جهته، تطرق الأستاذ مهدي سويّح في مداخلته، لإشكالية تدوين الموسيقى الأندلسية، ودراستها، وارتباط ذلك تاريخيًا بفترة الاستعمار الفرنسي في الجزائر، مشيرًا إلى أنّ الأبحاث والأعمال المنجزة حول هذا الفن، تعود في مجملها إلى باحثين ناطقين بالفرنسية؛ ما يترجم انعكاسات الواقع الثقافي والتاريخي لتلك الحقبة. وأثار الأستاذ تساؤلات عميقة حول طبيعة هذا الاهتمام بالموسيقى الأندلسية، وما إذا كان نابعًا من ارتباط حقيقي للمجتمع بهذا التراث، أم أنّه مجرّد التزام بإطار التقاليد الثقافية، مؤكّدًا، في الوقت نفسه، الدور المحوري الذي اضطلعت به المرأة داخل البيوت والقصور في الحفاظ على هذا التراث، ونقله شفويًا عبر الأجيال.

أما الأستاذ أحمد قريق حسين فاستعرض مفهوم "عشق الجمال"، معتبرًا أنّ الموسيقى تجسّد الذوق الفني، والارتباط العضوي بالجمال داخل المجتمعات التي لا يمكنها العيش من دونه، مشيرا إلى الخصوصية الثقافية والفنية في الجزائر. واستشهد بوجود مسارح قديمة في المدن التاريخية والأثرية، وبالتأثير المحلي الفريد للنصوص والآداب، إضافة إلى حضور "الموشّح الأندلسي" الممجّد للحياة والعشق، والمتداخل مع الاحتفالات والمؤسّسات الدينية. كما لفت إلى امتداد هذا الارتباط العضوي بالألحان، ليشمل مختلف محطات الحياة، وحتى طقوس الدفن والجنائز التي تؤدَّى خلالها أنغام وألحان خاصة، تعكس التبادل الثقافي، والتلوين المحلي المتجذر في الهوية الجزائرية.