من الحفظ إلى الاستثمار الثقافي
خارطة طريق جديدة لإنقاذ المخطوط الجزائري
- 149
نوال جاوت
أوصى الملتقى الدولي للمخطوط "طرق الحبر في الجزائر"، بتبني مجموعة من التدابير العملية والتنظيمية، قصد حماية المخطوطات الجزائرية وترقيتها وإدماجها في السياسات الثقافية الوطنية. أولى التوصيات كانت ترسيم الملتقى محفلًا دوليًا سنويًا، ليشكل منصة دائمة لتبادل الخبرات ومتابعة تطبيق السياسات والمشاريع، بينما تهدف توصية إقرار يوم وطني للمخطوط، إلى تعميم الوعي العام بأهمية المخطوط كجزء من الذاكرة الوطنية، وتحفيز المبادرات المجتمعية والتعليمية المرتبطة به.
دعت التوصيات أيضا، إلى تهيئة خزائن مخطوطات مقننة عبر مختلف مناطق الوطن، لضمان حفظ أمثل وظروف بيئية وفيزيائية ملائمة، تحفظ النصوص من التلف وتؤمن سلامتها للأجيال القادمة. ومن النتائج الجوهرية أيضًا، إنشاء شبكة رقمية وطنية لخزائن المخطوطات، تقوم على رقمنة المجموعات وربطها بمنصة مركزية، تتيح الوصول المنهجي للباحثين والمهتمين، مع اعتماد معايير وصفية وتوثيقية موحدة.
وترافقت هذه المبادرة مع مقترحات لاستحداث جوائز وطنية للتميز: جائزة في حفظ المخطوطات وجائزة في تحقيق المخطوطات، لتثمين الممارسات المهنية وتشجيع التحقيق العلمي والنشر الأكاديمي المرتبط بالمخطوطات. وكمحور حيوي طويل الأمد، أوصت التوصيات بإدراج مادة تربوية وتعليمية حول المخطوط ضمن البرامج المدرسية والجامعية، وإدراج تدريس الخط الجزائري العتيق في المناهج والتخصصات ذات الصلة، لتعزيز الوعي والمهارات التقليدية لدى الأجيال الشابة.
على صعيد الأطر القانونية والمؤسساتية، أوصت الهيئة بإعداد قانون خاص بالمخطوطات، يضمن حمايتها وتثمينها، وينظم إجراءات الحفظ والملكية والاسترجاع، مصحوبًا بآليات تمويل وإشراف واضحة. وتساوياً مع ذلك، شددت التوصيات على إنشاء معهد عالٍ للتكوين في علم المخطوط، ومراكز ومعاهد متخصصة في التكوين المهني لتقنيات الحفظ والصيانة والرقمنة، وذلك لبناء كوادر وطنية مدربة قادرة على إدارة الأرشيفات، والقيام بالترميم الوقائي والفعلي، وتطبيق معايير الحفظ الدولية.
وركزت المخرجات أيضاً، على البُعد الاقتصادي والثقافي؛ إذ أوصت بالاستثمار في الصناعات الثقافية والسياحة المرتبطة بالتراث المخطوط، من خلال تصميم معارض متنقلة ومنتجات ثقافية وبرامج سياحية تعليمية، تستغل الثروة المعرفية للمخطوطات وتُدر رافداً اقتصادياً للقطاعات الثقافية المحلية. وتكمل ذلك توصية احتضان الجزائر للفعاليات الإقليمية والدولية، مثل المؤتمر السنوي للمعهد العربي للمخطوطات، ما يعزز مكانة البلاد كمركز خبرة إقليمي ويتيح فرص تعاون دولي في البحث والتمويل والتكوين.
تأتي هذه التوصيات متكاملة، حيث تجمع بين حماية مادية وتقنية، وبناء إطارات تشريعية، وتنمية بشرية، وتشجيع البحث العلمي، وربط التراث بالسياحة والاقتصاد الثقافي. وترتكز فعاليتها على ترجمتها إلى برامج تنفيذية واضحة المراحل، تشمل إجراءات فورية (تقييم المخزون الوطني ووضع أولويات الحفظ)، وإجراءات متوسطة المدى (إنشاء الشبكة الرقمية والمراكز التكوينية)، وإجراءات طويلة المدى (سن القانون وإرساء المعهد العالي). كما تتطلب وضوحًا في مصادر التمويل، وتفعيل شراكات محلية ودولية، وإنشاء آليات تقييم متابعة دورية.
تبني هذه التوصيات يعيد للمخطوط الدور الذي يستحقه في تثبيت الهوية الثقافية الجزائرية وصون الذاكرة الوطنية. ولكن النجاح يحتاج إلى إرادة سياسية متواصلة، وتنسيق بين الوزارة والمؤسسات الأكاديمية والخزانات الخاصة والمجتمع المدني. بفرص السياسة الحالية والتزام السلطات الرشيدة، تصبح الجزائر قادرة على بناء منظومة متكاملة لحفظ وترقية مخطوطاتها، وتحويل هذا التراث النفيس إلى رصيد معرفي وثقافي يخدم البحث العلمي والتنمية الثقافية والاقتصادية على حد سواء.