لوحات رشيد قريشي تزيّن متحف الفنون الجميلة
حينما يتحول النص إلى نسيج بصري
- 230
لطيفة داريب
الشيخ العلوي المستغانمي، الشيخ سيدي أحمد التجاني، سيدي عبد القادر الجيلالي، رابعة العدوية، الحلّاج، هي الشخصيات الصوفية الخمس التي كرّمها الفنان رشيد قريشي في معرضه المقام حاليا بمتحف الفنون الجميلة، مخصِّصا لكلّ واحدة منها ثماني لوحات كاملة.
يعرض الفنان رشيد قريشي خمس سلاسل "روحية" و"فنية" عن أسماء صوفية معروفة، أثّرت فيه، فارتأى أن يخلّدها من خلال تخصيص سلسلة من ثماني لوحات، منجزة بلون موحّد عن كلّ شخصية صوفية، فجاءت لوحات الرابعة العدوية باللون الأزرق، في حين اختار الفنان اللون الأحمر بالنسبة للحلّاج، بينما كان اللون الأخضر العسكري من نصيب الشيخ العلوي المستغانمي. وفي لون يشبهه رسم الفنان لوحات عن الشيخ سيدي أحمد التجاني. أما اللوحات المخصّصة للشيخ سيدي عبد القادر الجيلالي فجاءت باللون البني.
وبرزت لوحات الفنان قريشي كخرائط، وضع في كلّ واحدة منها رموزا وحروفا تصبّ في وعاء الصوفية، ليشكّل المعرض مسارا رمزيا بحتا لا مجرّد لوحات فنية وحسب، فكتب في لوحات شيئا من الذكر. وفي أخرى آيات قرآنية. وفي ثالثة بعضا من الأشعار الصوفية، دون أن يتخلى عن الرموز والأختام، ومن بينها اليد التي رسمها في كلّ السلاسل، التي قد يراها قريشي ناقلة للمعرفة الروحية عبر الزمن.
وتأتي الأسماء في لوحات قريشي مصطفة عموديا، أو متّصلة بخطوط، أو محاطة بأختام وعلامات؛ كأنّها موقف يتريّث فيه الإنسان ويرتاح من وهن الدنيا. أما اليد فقد تشير إلى الخمسة المباركة؛ رمز للحماية، ودرء للعين، وكذا إلى أركان الإسلام الخمس، علما أن في الصوفية ترمز اليد إلى العهد، وإلى المصافحة الروحية بين الشيخ والمريد؛ بمعنى انتقال السلسلة الروحية من يد إلى يد. كما يظهر اهتمام قريشي باليد كبيرا في معرضه هذا إلى درجة إعادة رسم اليد في كلّ سلسلة؛ فاليد عنده ليست مجرّد أداة، بل وسيط روحي، وجسر بين الجسد والروح.
لكن لماذا يكرّر قريشي السلاسل؟ لماذا تتشابه طريقة عرض اللوحات؟، ربّما لأنّه يراها حلقات ذكر في مجلس شيخ صوفي، ليصبح زائر المعرض ليس مجرّد متلق، بل مشارك في هذه الحلقات التي تبدأ باسم، ثم برمز، فدعاء، فختم، ثم في الأخير يد. ثم ينتقل إلى سلسلة أخرى، وهكذا لن يتوقّف عن رحلته الروحية هذه، التي قد تبدو واضحة المعالم إلاّ أنّها في الحقيقة غير كذلك؛ فقريشي اعتمد على أن تبقى بعض الرموز غير مكتملة؛ فالحياة لا تُعاش بشكل مباشر، ولكن عبر دهاليز لا يعرف المرء هل يخرج منها سالما أم مهزوما. وقد يشعر زائر المعرض وسط هذه الكتابات والزخرفات، أنّه أمام لوحات غامضة من الصعب تفسيرها. ففي لوحة من المعرض كرّر الفنان وحدات تشبه قطرة أو بذرة داخلها رسم خطوطا نباتية، وأشكالا هندسية، ونجوما تشبه الرموز الأمازيغية.
أما عن اعتماده على التكرار فهذا راجع إلى التكرار في الذكر الصوفي، والإيقاع الروحي، واستحضار الأولياء الصالحين والمريدين؛ فكلّ قطرة تظهر وكأنّها شكل روحي مستقل، إلاّ أنّ جميعها مرتبط في نظام واحد، وهو قريب من فكرة وحدة الحقيقة، وتعدّد التجليات. ووضع قريشي الكتابة في أعلى وأسفل اللوحة. أما السطران المتكرّران فيشبهان سلاسل الأذكار. وأما النص الأوسط ففيه أدعية وصلوات على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأسماء صوفية.
لوحة أخرى للفنان أقرب إلى شجرة نسب صوفية أو خريطة كونية، نجد فيها محورا عموديا في الوسط يشبه طريق السالك، وحوله نجد الأختام والدوائر والمربعات، في حين نجد الإطار الجانبي مليئا بعلامات صغيرة متكرّرة تشبه حروفا قديمة، بينما في لوحة ثالثة يمكن التمييز بين البسملة والصلاة على النبي وأسماء شيوخ وأدعية رغم أنّ الفنان يعتمد، أحيانا، ضغط الحروف، وتداخل الكلمات، وتحويل النصّ إلى نسيج بصري. وهكذا جمع الفنان رشيد قريشي بين مبادئ التصوّف والخط العربي والرموز الأمازيغية والذاكرة الشعبية المحلية؛ فهو لا يتعامل مع الحرف كوسيلة للكتابة فقط، بل ككائن حيّ يحمل طاقة، وذاكرة، وحضورا روحيا.
وبالمقابل، جاء في نشرية معرض الفنان بعنوان "مسارات الارتقاء"، أنّ الفنان العالمي رشيد قريشي وُلد في 20 جانفي 1947 بمدينة عين البيضاء (ولاية أم البواقي بالجزائر، ينحدر من عائلة صوفية عريقة. وهو ما أثّر بعمق في رؤيته الفنية وروحانيته. بدأ تكوينه الأكاديمي في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بالجزائر (1971-1967)، ثم انتقل إلى باريس ليعمّق دراساته في المدرسة الوطنية العليا للفنون الزخرفية والمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة، وصولا إلى معهد التخطيط الحضري.
وتتمحور تجربة رشيد قريشي حول "قدسية اللغة" والعلامة بوصفها وسيط المنظومة الرمزية والفلسفية جوهريا بين الثقافات، وحاملا للإيمان والتاريخ. هو لا يكتفي بالخط التقليدي، بل ابتكر نظاما بصريا تجريديا، يمزج فيه ببراعة بين الحرف العربي والرموز الأمازيغية والطوارقية (التيفيناغ)، تعكس الذاكرة البحرية الإشارات الطلسمية والرموز الأنثروبولوجية للشعوب الإفريقية.