ندوة "الرواية التاريخية ودورها في توثيق الذاكرة والتاريخ الجزائري"

حين تتحوّل الوقائع إلى سرد يكشف المهمَّش ويقرأ الراهن

حين تتحوّل الوقائع إلى سرد يكشف المهمَّش ويقرأ الراهن
  • 143
 مريم. ن مريم. ن

فتح المشاركون في ندوة "الرواية ذات السرد التاريخي ودورها في توثيق الذاكرة والتاريخ الجزائري" التي احتضنتها، أوّل أمس، المكتبة العمومية الرئيسية بالمحمدية، نقاشا مستفيضا، يخصّ توظيف الذاكرة التاريخية في الرواية الجزائرية الحديثة، حيث تتحوّل الوقائع إلى مسار سردي روائي.

أشار الكاتب والناقد المعروف الدكتور أحمد منور خلال مداخلته، إلى كيفية تعامله مع التاريخ في رواياته، مؤكّدا أنّ التاريخ يمكن تناوله من جهات وأنواع مختلفة؛ سواء كوقائع لها زمانها ومكانها الخاص، أو من خلال الشخصيات المهمة؛ كالعلماء، والملوك، والقادة، وغيرهم، علما أنّه تعامل مع الاثنين؛ أي الوقائع والأحداث والشخصيات.

ما أشبه حصار تلمسان بحصار غزة!

استحضر الدكتور منور بالمناسبة، روايته "بركات لالة ستي" التي نفدت من السوق، مؤكّدا أنّه استقى أحداثها من التاريخ في زمن الزيانيين بتلمسان، ليجعل من شخصية ستي رمزا روحيا ودينيا، فتحدّث عن حصار تلمسان في القرن 13 م من طرف المرينيين، الذي استمر 8 سنوات، ذاق فيها التلمسانيون المرّ والجوع، لكنّهم رغم ذلك صمدوا.

وقال المتحدث إنّه اختار من سنوات ذلك الحصار، السنة الخامسة منه، التي وقعت فيها حادثة، بنى هو عليها روايته، ففيها مات حاكم تلمسان السلطان أبوحمو بعد شربه اللبن، وكان من آخر بقرة بالمدينة، فعمدت زوجته "لالة النسا" ذات الأصل التونسي، إلى جلب البقرة وتسمينها بكلّ ما في المدينة من علف، وأطلقتها باتجاه الأعداء المرينيين. وحينما ذبحوها وجدوها مشبّعة بالعلف، فظنّوا أنّ تلمسان لاتزال قادرة على الصمود أمام حصارهم، فأحبطت معنوياتهم.

كما أشار الدكتور منور إلى أنّه ربط هذا الحصار بحصار غزة اليوم، خاصة من خلال التسليح، والطعام الذي كان يُدخله التلمسانيون عبر الأنفاق، ثم اشتداد المقاومة في مدينة المنصورة التي استولى عليها المرينيون، بطلها حفيد السلطان ابن حمو، ليضيف: "كلّ تلك الشخصيات هي حقيقية سجّلها التاريخ. وأنا قبل أن أكتب أجمع المراجع التاريخية، وأفحصها، ثم أختار ما يناسب روايتي. وأسجّل المعلومات في قصاصات؛ لأرجع إليها عندما أحتاجها. ثم أزور مكان الأحداث؛ لذلك زرت تلمسان ابتداء من ضريح لالة ستي إلى مدرسة ابن خلدون، إلى المشور، ومقام سيدي بومدين، وسيدي لحلو، وغيرها، ثم تأتي مرحلة الكتابة".

رواية أخرى تحدّث عنها الدكتور منور عن الشيخ ابن باديس بعنوان "من أجلهما عشت" (أي الإسلام والجزائر)، منطلقا من مدينة قسنطينة التي يعرفها شارعا بشارع، ثم لقاؤه بالراحل عبد الحق أخي ابن باديس، الذي قدّم له الكثير من المعلومات، ثم زيارته المسجد الأخضر، والمسجد الكبير بالطريق الجديدة، ومكان محاولة اغتيال الشيخ في سنة 1926، وكذلك مدرسة فتح الله التي درس فيها الطفل ابن باديس، وبيته الذي وُلد فيه بالمدينة القديمة، مع دراسته وحياته في تونس، ورحلته إلى الحج، ثم تأسيسه جمعية العلماء، ورحلاته عبر مناطق الوطن. كما اعتمد الكاتب على الأرشيف، منه كتابات ابن باديس في "الشهاب" التي سرد فيها رحلاته ومواقفه، ليقول: "رغم كلّ ذلك البحث لم أتوصّل إلى سبب طلاق عبد الحميد بن باديس وزوجته.

وأخوه عبد الحق لم يعطني ردا شافيا، فعمدت لبناء هذا التفصيل من خلال مجرى الأحداث الواقعية، وربطت بينها؛ أي أنّ الطلاق جاء بعد موت ابن عبد الحميد بن باديس؛ وكأنّه كان الرابط بين الزوجين. وبموته زال الرابط. واختارت الزوجة الرحيل عن رجل سخّر حياته للعلم، والنضال قبلها". وقال المتحدث إنّ المؤرخين مروا مرور الكرام على بعض الأحداث، منها حياة الشيخ العلاّمة بتونس، ورحلة الحج، في حين خصّص هو لهذه الرواية 10 فصول كاملة لإقامته في تونس، و7 لرحلة الحج؛ بمعدل 5100 ساعة كتابة استغرقتها هذه الرواية.

التاريخ في ثوب الفانتازيا

عن روايته "الأمير يعود في منتصف الليل" التي تحوي بدورها، جانبا تاريخيا خاصة من الفانتازيا، يظهر فيها تمثال الأمير عبد القادر بشارع بن مهيدي، تدبّ فيه الحياة بعد منتصف الليل، ليتجوّل في شوارع ومناطق العاصمة مع الشاب بوعلام حارس المرأب البسيط رغم تعليمه العالي (خريج كلية الآداب) الذي يصاب بالدهشة، لكنّه يصبح صديقا للأمير، فيذهب معه إلى ثانوية "الأمير" بساحة الشهداء، التي كرّمت ذكراه، وطمست اسم عدوه بيجو، لتتوالى الأحداث بأسلوب وصفه الكاتب بما فوق الواقع، معتبرا هذه الرواية ليست تاريخا، لكنّها تستعين به كاستعراض زيارة الأمير للعاصمة في 1817؛ للانتقال منها نحو البقاع المقدسة، علما أنّ هذا الرجوع للتاريخ، حسبه، لا بدّ أن يحترم الوقائع، ولا يزيّفها في الرواية.

حضور قارٌّ في الروايات المرشَّحة للجوائز الأدبية

بدوره، تحدّث البروفيسور عبد الحميد بورايو عن تجربته في لجان جائزتي آسيا جبار ومحمد ديب؛ حيث لاحظ حضورا ملفتا للرواية التاريخية من طرف المترشحين، قدّم نماذج منها تناولت تاريخ الجزائر بأسلوب واقعي، يسرد خاصة أحداثا اجتماعية وقعت في الماضي، لم يقف عندها التاريخ، قائلا: "الكثير من الروايات تناولت فترة ما قبل الاستقلال، منها فترة الثورة التحريرية، مع سرد بعض المفارقات والخيبات والانحرافات، وما تحقّق، وما لم يتحقّق. وقد لاحظت مدى العلاقة بين التاريخ والواقع في هذه الروايات، ومدى البحث في فترات مسكوت عنها، خاصة من الجانب الاجتماعي، وبالتالي رأيت مدى ما تحقّق من بحث معرفي وعلمي جاد إضافة للإبداع الفني".

وبالمناسبة، استعرض المتدخّل رواية "مرجاجو" لشارف حميدي، التي ملأت فراغا تاريخيا لم يهتم به هذا الأخير، وتسرد ماضي الأجداد البدو، كذلك رواية "حيزية" للزهاري لبتر وما فيها من قيم. آخر المتدخلين كان الروائي محمد ساري، الذي أكّد أنّ الثورة عنصر مشترك في كلّ رواياته رغم أنّها ليست بالمعنى التاريخي الصرف، بل استمد مادته الخام من شهادات من عاشوا الثورة، خاصة في محيطه القريب بشرشال وضواحيها، وكذا من ذكريات الطفولة.

كما أكّد ساري أنّه لم يكتب التاريخ بمعناه العام، وإنّما اشتغل على تاريخ الأشخاص الذين لم ترد أسماؤهم في سجل التاريخ، وأغلبهم من البسطاء الذين لعبوا دورا فعّالا في مساندة ثورة التحرير، لكن سرد الأحداث الكبرى والشخصيات القيادية غطّى على حضورهم، ليسرد بعضا من أعماله ابتداء من "البطاقة السحرية" حتى "الورم" ، وحديثه أيضا عن شخصيات تاريخية كتب عنها، منها "يوبا الثاني" ، ثم "ابن تومرت".

أما الأستاذ احسن تليلاني فتناول في تدخّله جدلية الحاضر والماضي في الرواية، ومبدأ الاختيار والعزل؛ أي انتقاء حدث بعينه أو محطة تاريخية ما للانطلاق منها، والتركيز عليها في كتابة الرواية، مع إسقاط الماضي على الراهن، وتوظيفه من أجل عدم الغرق في الدائرة التاريخية، مع تحرير التاريخ من التاريخ، والحث أكثر على دخول ممرات في التاريخ كانت منسية أو مهمشة.